random
أخبار ساخنة

أين اختفى العقل؟




كيف صار الجميع سُخفاء بهذه السُرعة؟!

 


أفتح عيني على صباح جديد. يُصادف اليوم يوم مولدي. فأتذكّر التزامي السنوي بكتابة تدوينة أو مقال في هذا اليوم عن أول موضوع يخطر على بالي. سيل لا ينتهي من الأفكار المبتورة. لكنني أستمر في التفكير وأنا في خضم رتابة نمطي الصباحي اليومي المُعتاد. 


تمر نصف ساعة تقريبًا قبل أن آتي بكوب القهوة وأجلس على الطاولة ثم أرفع شاشة الكومبيوتر المحمول لتضيء شاشته السوداء. أفتح تطبيق الكتابة فأغرق في بياض الصفحة المُنتظِر لكلماتي التي ستخلق منه تدوينة ربما لن تهم سوى حفنة من البشر!

 

أنظر إلى المؤشّر البرتقالي الذي يومض أمامي في انتظار ضربات أصابعي على لوحة المفاتيح. وأراه ينبض كنبضات قلب هادئ أو ربما كنبض متوتر! 

 

تخطر في ذهني فكرة. ترتسم ابتسامة ساخرة على شفتيّ وأنا أُفكّر فيها.

 

«تُرى كيف سيبدو ما أكتب في عين من يقرأ هذه الكلمات؟ هل سيبدو ما أكتبه مُفتعلًا؟ وإلى أي مدى سيبدو هذا الافتعال؟ هل ما أكتبه حقّا مُختلقًا؟ أم أنه صادقًا؟ أهو نُسخة من الواقع أم أنه نُسخة مُحسّنة منه؟ تُرى أيُشَكِّل ذلك فارقًا لدى القارئ؟»

 

حسنًا… في الحقيقة لم أرغب في الكتابة عن هذا الأمر، وإنما عن الصدق في عالم وسائل التواصل الاجتماعي في عصره الجديد. عصر الذكاء الاصطناعي. وعصر السيد صاحب منصة إكس والذي تسبّب في سقوط أغلب الأشخاص الذين تابعتهم وأثنيت على منشوراتهم على المنصة؛ بشكل مأساوي في فخّ أُعدّ لهم بعناية. في الماضي كان الفخ هو الشُهرة، أما اليوم فالمال يتحدث. تريد أن تحصل على المال… اتّبع بعض الأساليب المضمونة. تتعارض مع بعض المبادئ؟ أو كلها؟ لا مشكلة… ستجد المبررات اللازمة كي لا تخسر هذا المال. الجميع الآن صار مُشاركًا؛ من الأشخاص العاديين إلى أصحاب الشركات إلى أصحاب البنوك إلى الدول وقياداتها! الجميع صار ملوثًا. والجميع يعلم أن الجميع متورط. لكن يبدو أنهم قرروا -ضمنيًا- أن يؤمنوا بمبدأ الغاية تُبرر الوسيلة، فالأحمق وحده هو من ينأى بنفسه عن نهج صار العالم كله ينتهجه.




أصابني الشكّ في نفسي، مع استمرار نجاح ذلك النهج المٌستشري من حولي. هل أنا على خطأ؟ ربما أنا فقط فاشل كوني لا أحقق ذلك النجاح الذي يحققه الجميع سواي -مشاهدات وتعليقات وانتشار ومقابل مادي أيضًا- في هذه المنصة! أو ربما أنني فقط أشعر بالغيرة من هكذا نجاح، وأستخدم بعض العبارات الرنانة والأفكار التي لم يعد لها مكانًا في واقعنا الحالي لتبرير ذلك الفشل؟  أتراني أتقمّص دور دون كيخوت؟ ربما أنا فقط أحمق! 

 

كُنت أظن أنني الأحمق الوحيد. إلا أنني وجدت أن هناك من هم مثلي في هذه المنصة لكنهم منفيّون. من المستحيل أن تراهم وسط خوارزميات صُمّمت كي تبتلعهم وتنفيهم عن العالم الافتراضي. العالم الذي صار هو الحقيقي في أعين الكثير.

 



تورّط الجميع… الكُتّاب والمؤثرين ومُحبي التقنية ومُحرّري الصحف ومُعدّي البرامج والأطباء والمعالجين النفسيين وخبراء التغذية وشركات تحسين صورة الكيانات والأشخاص المُهمّين.

 

أغلبهم يسرقون مواضيعهم -أو على الأقل أفكارها- من بعضهم البعض، والتي هي بالأساس مقتبسة من حسابات أجنبية. ثُم تكفّل الذكاء الاصطناعي بسرقة الأفكار والصور لنشرها وعرضها بشكل مختلف لا يُمكن أن تُقاضيه عليها.  البعض الآخر صاروا أدوات في أيدي بعض مراكز الدولة أو لبعض الشركات الكٌبرى. استُغِّلو وفُرض عليهم نشر مواضيع بعينها حتى وإن كانت لا علاقة لها بما يقدّمونه. وآخرون يقومون بإضافة أخبار كاذبة عمدًا لنشر حالة من الهلع والتخبط المؤقت لضمان الوصول لعدد أكبر من التفاعل على المنشور، قبل أن ينشر لاحقًا اعتذارًا على الخبر الذي كان يعلم منذ البداية أنه كاذب! وآخرون يُبدعون في استثارة الناس بكتابة جُملا تسخر من البعض، وتنجح في إثارة الفتنة والبلبلة والابتعاد عن الطرح الموضوعي؛ لاستثارة للمتابعين وإجبارهم على التفاعل الغاضب بعد أن يُغيِّب عقولهم في غياهب الغضب. يحدث هذا في جميع المواضيع: السياسة والرياضة والتكنولوجيا والعنصرية وحتى أمور الدين.

 

نظرة بسيطة على أي موقع من مواقع التواصل الاجتماعي، سترى من خلالها كل ما ذكرته وأكثر. ربما لو أنت حديث العهد على هذه المواقع، لهان عليك الأمر. لكن لو كنت مُتابعًا مثلي منذ فترة طويلة، ستشعر بحجم الفجيعة عندما ترى أغلب من كنت تتابعهم وتحترمهم وتُقدّر ما يُقدّمون من آراء ومواضيع، قد تنازلوا وصاروا مسوخًا. تحاول أن تفهم هل كانوا سطحيين هكذا منذ البداية؟ أم أن الإنسان من الممكن أن يصير سطحيًا بلا شخصية ولا مبادئ بهذه السهولة. كيف صار الجميع سخفاء بهذه السُرعة؟! 



لو كنت قارئًا… أغمض عينيك وفكّر. أمعن التفكير. تذكّر ما قد قرأته في كُتب التاريخ، وفي الوثائقيات، وفي الروايات. تذكّر كل الحقب الزمنية وخاصة في العصر الحديث. أمعن النظر أكثر بعد الخمسينيات من القرن العشرين. ألاحظت النمط؟ أهناك تشابهًا ما؟

 

نعم يا صديقي. هذا صحيح. إن الوضع كان هكذا دائمًا. الاختلاف فقط أن في الماضي كان أولئك فئة محدودة، ومهما بلغت درجة تأثيرهم تظل تدور في فلك معين، حتى وإن أثّرت بشكل أوسع يظل تأثيرها محدودًا، حتى وإن داوموا على نشر أفكارهم بشكل مستمر ويومي، نظرًا لصعوبة الوصول إلى الجميع بسبب تكنولوجيا تلك العصور. يتباين هذا التأثير باختلاف العصر وتطوره. سواء كانت تلك الأدوات هي الصحف أو المحافل الأدبية أو الثقافية أو الإذاعة أو التلفاز. على عكس اليوم والذي انفجر فيه النشر ليصبح مُتاحًا في أي لحظة في اليوم. وصار الوصول مضمونًا لجميع فئات المجتمع، بل تطوّر وصوله إلى ضمان الوصول لكل فرد على حده وإغراقه في سيل من الأفكار المفروضة عليه!

 

وما زاد الطين بِلة أننا -وكأننا في رواية ديستوبيا محترمة- وصلنا منذ عام تقريبًا إلى قاعٍ جديد بعد أن ظننا أننا قد وصلنا بالفعل إلى الدرك الأسفل. في عالم الذكاء الاصطناعي يُمكن للجميع اليوم أن يزوّر كل شيء. الفيديو المُفبرك والصوت المُفبرك والصورة المُفبركة صاروا سادة العالم اليوم. يُمكنك أن تنتقم من أحدهم أو تُكذّب أحدهم أو تُصدّر صورة -كاذبة- مُنمّقة وإيجابية عن نفسك باستخدام هذه الوسائل. لماذا إذن نحتاج إلى الصدق؟ إن كان الصدق ضعيفًا فلن يُمكنه الصمود. وإن صمد، فلن يكون صموده بكل تأكيد في عالم التواصل الاجتماعي. 

 

أتأمل في الحسابات والتعليقات. مجموعات من الحسابات تنشط لتمدح فيلمًا ما. يصادف أنني شاهدت الفيلم وأرى أنه سيئ، ولا أعير لاختلاف الأذواق اهتمامًا، فهذا هو الأصل، لكن أن تزعم هذه الحسابات أن الفيلم الفلاني هو أعظم ما أنتجته السينما أو أفضل بمراحل مقارنة بفيلم تعارف الناس على عظمته، فهذا أمر مريب، وأن أجد أن هناك عدة حسابات تنشر نفس التعليق عن نفس الفيلم. هنا أعرف أن كل هذا مجرد تمثيلية! 

 

وبما أنني مُصاب بمتلازمة التأمّل والتأنّي في الرد، بل حتى التأني في التجربة. فقد لاحظت تلك الأنماط: المديح المُفرط بغرض دفع الناس للحنق والتعليق، الذم المُفرط مع جحافل من الردود المؤيدة لخلق حالة التباس لدى المتابعين أن هذه هي الحقيقة البديهية دون الحاجة إلى مناقشة. 

 

جرّب بنفسك. اختر أي خبر له حالة تداول وتفاعل عالية (تريند): رواية، كتاب، فيلم، مسلسل، مشكلة تخص فئة في المجتمع، رئيس دولة، ممثل، مُغني، مرجع ديني، أسلوب إدارة دولة، أقليّة، أغلبية، ديانة، شركات، أجهزة هواتف، أجهزة كومبيوتر، مميزات حديثة لنظام تشغيل، أنظمة تغذية، تطعيم. تابع النمط وستكتشفه بكل سهولة.

 

يؤسفني أن أخبرك أن أغلب الحسابات التي تتابعها تنتهج نفس النهج، بما فيها الحسابات التي كانت سابقًا جيدة وموضوعية حقًا. الأمر جدًا يسير ولا أعرف حقًا كيف لا ينتبه الناس إلى هذا النمط؟ كيف لا ينتبهون إلى أنهم مُستنزفون ومُغرَقون في حالة من الهياج أو العصبية أو الشعور بالفقر أو بالضيق بسبب إشاعات وإيجابيات كاذبة أو سلبيات لا تأثيرات حقيقية لها. كيف لا يتنبهون إلى أن أغلب مشاعر الحزن الغضب وكراهية النفس والإحباط وعدم الرضا بما في اليد؛ هي بسبب هذا النمط المُستشري. 

 

تسألني عن حسابات تنشر مشكلات حقيقية وحلول جدّية وتوعية فعلية؟ صحيح. موجودة ومفيدة. لكن لا أريد أن أزيد من إحباطك عندما أطلب منك أن تتتبّع مثل هذه المواضيع وستجد أن كل موضوع منها مهما كان إيجابيًا، فإنه يتم استغلاله بكل حرفية وخُبث كي يُستفاد منها ليدخل الدائرة الجهنمية مرة أخرى. سيقوم أحدهم بالمعارضة الشديد أو المدح المُفرط أو بإثارة الجدل بإدخال مواضيع غير ذات صلة لاستشارة الناس كي تضيع أي محاولة للنقاش الجدّي على هذه المنصة.




 

علاقات أُسرية تنهار - حالات طلاق مُفرطة - أبناء صاروا مؤمنين بأن سبب كل مشاكلهم وحماقاتهم النفسية هي بسبب آبائهم فقط. مواطنين يؤمنون بأن أفضل وسيلة للحفاظ على الوطن هي تدمير مبدأ المواطنة!  أحدث هاتف في يدك هو أسوأ هاتف على الإطلاق حتى وإن لم تكن تستخدم رُبع إمكانياته. جهاز الكومبيوتر الخاص بك يدل على أنك من الحمقى الذين لا يتسمون بالذكاء الكافي. كل الفائزين بكل الجوائز مشاركون في مؤامرة عالمية ما. الاستثمارات… لا داعٍ كي أُذَكّرك بغبائك! 

 

 

 

كيف يمكن أن تستقيم حياتك بعد أن تغلق الهاتف/ المنصة/ التطبيق؟ كيف يمكنك أن تهرب من فشلك الذي تكتشفه في كل مرة تدخل المنصة؟ لا حل سوى اتّباع التريند وتقليد - واعٍ أو غير واعٍ- للأمور المتداولة التي نُشرت بخُبث على السوشيال ميديا ليشعر الناس أنها مواضيع الساعة والتي يناقشها الجميع، أو… أو أن تعود إلى المنصة مرة أخرى لتغرق وسط المنشورات اللامتناهية. أن تعود لتغرق في مخدرات عقلية تقتل فيك كل شيء يُمكنه أن يجعل فيك إنسانًا مُستقلًا. 

 

 

أعود مرة أخرى إلى التساؤل الذي سألته لنفسي أول المقال:

 

” تُرى كيف سيبدو ما أكتب في عين من يقرأ هذه الكلمات؟ هل سيبدو ما أكتبه مُفتعلًا؟ وإلى أي مدى سيبدو هذا الافتعال؟ هل ما أكتبه حقّا مُختلقًا؟ أم أنه صادقًا؟ أهو نُسخة من الواقع أم أنه نُسخة مُحسّنة منه؟ تُرى أيُشكِّل ذلك فارقًا لدى القارئ؟“

 

 

أعود بظهري إلى مسند الكرسي الذي أجلس عليه. أنظر إلى التدوينة التي كتبتها. إلى الكلمات التي تعدّت الألف. إلى المؤشّر البرتقالي الذي لا يزال يومض وكأنه لم يكتفِ من الكلمات! أملأ صدري بشهيق طويل وأنا أبتسم ساخرًا من نفسي.

 

في السابعة والأربعين من عُمرك لم تفهم بعد أن لا أحد سيصل إلى نهاية هذا المقال -إن بدأ في قراءته من الأساس- كي تهتم!

 

أحمد فؤاد
12 أيَّار مايو 2026


google-playkhamsatmostaqltradent