الجزء الثاني من ”أسفار مدينة الطين“
قبل رحلة أخيرة
أنت تعرف الكثير الآن. لكنك تأبى أن تُصَدِّق. أو ربما لم تُدرِك الأمر بعد.
كيف يُمكن أن ينعكس المُستقبل على الماضي!
إنه لأمر جَلَل.
لكن لا تقلق. على الأقل ليس الآن. ليس قبل أن يحكي لنا الشايب ما يخفيه عن الجميع.
إنه ينتظر. يتلذّذ بفعلته، بعدما ورّط الجميع. وقد آن أوان المُشكلة الحقيقية.
إن كنت قد انتهيت من السِفر الثاني. فتعال لتصاحبنا -مع الكثير- لننهي ما قد بدأناه.
على ألا تنسى… ألا تصغي لطيور اللوهة. ولا تأمن للقطط الوديعة. وحذار ممن لا تجد له ظِلًا على الأرض!
لكن قبل ذلك دعنا نحاول أن نفهم ما قد مررنا به في نكبة سِفر التَبَّة، بعد ما هالنا من وبال سِفر العباءة، لعلّ ذلك ينفعنا في رحلتنا القادمة والأخيرة في مدينة الطين.
هذا السِفر يختلف
غالبًا يكون الجزء الثاني من أي سلسلة أصعب على القارئ من الجزء الأول. يحمل الجزء الأول مُهمة التمهيد للقارئ، وتقديم الشخصيات، وإطلاق المُفاجآت، ورسم جُغرافية وتاريخ الرواية ومناطقها وربطها بالحال الاقتصادي والاجتماعي. مزيج من الدهشة والتركيز والإنصات لما يكتبه الكاتب في الجزء الأول. ينتهي الجزء الأول بخلق العالم وشخصياته. ولا يبقى سوى الترقب وربما التوجّس لما سيحمله الجزء الثاني.
وهُنا تكمن الصعوبة في تقبّل القارئ لهذا الجزء الجديد. ها قد قدّم الكاتب أفكار الرواية، وخيوط أحداثها. ماذا في جُعبته كي يستمر في إمتاع القارئ وإقناعه بالاستمرار في القراءة؟
رُبما سيعتمد الكثير من الكُتّاب على تقديم شخصيات جديدة، أو إدخال بعض الحبكات الملتوية، أو توسعة عالم الرواية. لكن الأصعب هو عدم اللجوء إلى ذلك، والاعتماد على -أو دعنا نقول رهانًا على- فضول ورغبة القارئ لمعرفة مصائر الشخصيات وفك طلاسم الرواية.
في الحقيقة لا أستطيع التأكد إن الكاتب قد قرّر القرار الأصعب في الجزء الثاني ”سِفر التَبَّة“ وهو الاستمرار في أحداث الرواية دون إضافة شخصيات جديدة وأحداث مُغايرة. ذلك لأنني أشك في أن الكاتب كان ينوي تقديم الجزء الأول والثاني على حالهما. ظنّي هو أن الجزءان كانا جُزءًا واحدًا تم تقسيمه.
زيارة الرجل الغريب
لم يكن هناك -في رأيي- طريقة أفضل من تفجير مفاجأة بهذا الدويّ الصاخب الذي فجّرها الكاتب سعود السنعوسي؛ كي يُقْبِل القارئ على قراءة الجزء الثاني بحماس وحرارة.
لم يكن كشف شخصية الرجل الغريب ولقائه مع صادق بو حَدَب في الصفحات الاولى من الكتاب مجرد مفاجأة لإثارة حماس القارئ فقط، بل هو توسعة لعالم رواية ”أسفار مدينة الطين“ (الطبقة الثانية كما أَشَرْتُ في مراجعتي للجزء الأول ”سِفْرُ العَبَاءة“ - اضغط هُنا)، مع ربط الطبقة الثانية مع الطبقة الأولى بشكل ربما كان متوقعًا رغم ما يلفّه ذلك التوقع بكثير من الغموض.
جاءت فصول مُذكّرات صادق ”ذخيرةُ أيام الخَرَف“ شديدة الإثارة في الصفحات الأولى، وبالغ التشويق والترقّب -في الصفحات الأخيرة- لما سيأتي في الجزء الثالث والأخير ”سِفْرُ العَنْفُوُز“
ويبدو أننا على وشك دخول منطقة تشابك عميقة لخيوط القصة التي ستلتقي جميعها -أخيرًا- في نقطة تماس.
صراعات نفسية
مثلما كان في السِفر الأول، جاء السِفر الثاني وأفاض بسيل من الصراعات النفسية التي تنهش في نفوس الشخصيات. لفت نظري أنه من النادر ألا نجد في شخصيات الرواية، شخصية لا تُعاني من صراع حقيقي داخلها. نلاحظ هذه الصراعات في الشخصيات الرئيسة في الرواية، وفي الشخصيات الثانوية بل والشخصيات الهامشية أيضًا.
سليمان وفضة وشايعة وأمينة والهذّار وبو هولين والمُلا كريم العين وشريفة وبهيجة وسعدون وخليفوه وعاموس وساركيز وغايب وصنقور ومستور وأم صنقور وساطور وعطا الله ومبروكة وإلينور وإدوين وزمزم. هل بقي أحدٌ بَعد؟!!
في واقع الأمر… الصراعات النفسية هي التي تُحرّك البشر. هي دوافعهم الحقيقية التي يخفونها أو ربما لا يدركونها. لا يوجد بشري لا يُعاني. سواء كان غنيًا أو فقيرًا. سعيدًا أو تعيسًا. راضيًا أو ناقمًا على حاله. فالنفس الأمارة بالسوء قَدَرْه. وليس هناك من القَدَر مهرب!
حان وقت الحوارات الطويلة!
كان الوصف هو الغالب في الجزء الأول من السلسلة. كان ذلك ضروريًا لخلق عالم الرواية التاريخي والمُطعّم بالفانتازيا والأسطورة. لكن في هذا الجزء، تراجع الوصف في الكتابة ليُفسح المجال لحوارات طويلة تكررت أكثر من مرة على مدار الرواية.
كان هذا التراجع ضروريًا من أجل خلق مساحة للشخصيات للتعبير عن الأفكار. ومن أجل استخدام المساجلات الحوارية بين الشخصيات ليكون هناك تباينًا في الأفكار والإسقاطات على لسان الأبطال، لصُنع حيّز للنقاش وعرض الآراء والرد عليها. مثلما جاء في عدة مساجلات في الحوطة.
هناك استخدام أخير لتلك المساحة استخدمها الكاتب كأداة لإكمال الصورة الوصفية باستخدام زوايا مختلفة، دون الدخول في وصفها وشرحها مباشرة.
يُمكننا إلقاء نظرة على استخدام هذا الأسلوب -تنويع زوايا التصوير- في وصف معركة الجهراء، خاصة أثناء الحصار، وكيف تمكّن الكاتب في إتمام الصورة بثلاث زوايا (كاميرات سينمائية) متنوعة تمثّلت في زاوية أو كاميرا مُركّزة Close Up للحدث ذاته وتصوير ما يحدث في الداخل. وزاوية تصوير بانورامي مُتزامن لما يحدث في الدِيرة، ما يدور على الأرض وفي الطُرقات العامة والأسواق وعلى السوق، واستقبال الأخبار الآتية من الجهراء، ونقل ملامح القلق لما ستُسفر عنها الحرب، بالإضافة إلى ما يدور على هامش الدِيرة من تحركات للإنجليز والأمريكان.
وأخيرًا زاوية تصوير تقريري وربما إخباري سياسي لما يحدث في خلفية الحدث وأسبابه ودوافع أبطاله لقراراتهم، والظروف التاريخية والاجتماعية المُحيطة، والذي جاء في الحديث الطويل في منزل المُعتمد الإنجليزي.
ربما نلحظ تباينًا في استخدام الحوارات الطويلة في الرواية. استخدام مثالي في فصل الاجتماع في بيت المُعتمد البريطاني، واستخدام متوسط، أو أقل مثالية في مشاهد الحوطة. وفي رأيي أن الأخيرة ربما كان من الأفضل أن تُجزأ على مشاهد أكثر، ويجوز أن الكاتب لم يفعل ذلك كي لا تزداد مساحة الرواية بما لا تحتمله. لكن هذا لم يُنقص من أهمية تلك الحوارات مهما وُظِّفَت بشكل أقل مثالية.
لوحات أيقونية
الرواية مليئة بلوحات رمزية مُميزة -ناتجة عن الحس الوصفي المُسيطر على الرواية- تحمل رمزيات مؤثرة ومثير للاهتمام. لوحات ربما تُضاهي قوة رمزيات لوحات الفنانة مشاعل الفيصل.
مشهد 1
ربما لم يكن هناك حسًا فُكاهيًا في الرواية إلا في لمحات نادرة. لكن المشهد الرمزي الأيقوني ”ثلاث سُكارَى وصَبيُّ صاچَّات" ربما هو الأجمل والأبرز في الرواية. لوحة تحمل عنوان ”الكوميديا السوداء“ يقف أمامها القارئ لا يدري هل يبتسم بسبب المفارقة أم يعبس لما تحمله الرمزية من أسى؟!
مشهد 2
ربما اللوحة الشاملة التي تصوّر مُجتمع الرواية بعدسة بعيدة Zoom Out. هي التي جاءت في الفصل 32- لوحة ”مسجدان وكنيسة وكنيس - ويوم السُديس“. بديعة جدًا ورمزية ممتازة خاصة أنها ربما كونها لا تزال قائمة حتى اليوم!
مشهد 3
مشهد ”غابة الصوف“ كان مشهدًا مُتميّزًا يحمل رمزية مؤلمة لمن يدركها.
مشهد 4
مشهد ”يوم السُديس الأخير“ رُسم بشكل بديع. لكن الرمزيّة التي في ثناياه -”قائل الفعل بريء“- رمزيّة مُدهشة للغاية.
مشهد 5
مشهد ”موكب الجوع“ من المشاهد الُمميزة جدًا في الرواية.
مشهد 6
مشهد ”البُلْبُل“ في آخر السِفر كان عظيمًا، ويليق بآخر أمارات الختام الخمس. نهاية ممتازة للسِفر الثاني على وقع نشيج الباكي ”شيءٌ ما سوف ينتهي“
التقاطات بين السطور
- أعجبني الكاتب عندما سخر من الحواشي الطويلة في الجزء الأول مُلقيًا اللوم على مُحرر الرقابة في وزارة الإعلام المُتخيَّل، والذي أضاف تلك الحواشي التي وصفها بالحواشي المدرسية.
- أيضًا يُمكننا -مع التمعنّ قليلًا في نهاية الرواية- أن نرى استباق الكاتب في تأمين نفسه من توقعات لانتقادات لبعض القراء -أو لبعضٍ من حُرّاس الغُبار- فيما يخص بعض أحداث الماضي المذكورة الكويت أو بعض المُبالغات -على الرغم من إشارة الكاتب إلى أنها مبالغات- التي أتت في أحاديث أو في أفعال بعض الشخصيات في الرواية.
- نلمح تشابُهًا بين ما واجهه صادق بو حَدَب وبين ما واجهه سعود السنعوسي، فكلاهما له صراع مع الرقابة بخصوص رواية شهيرة لكُل منهما سُحبت وصودرت من الأسواق.
- ابتسمت -استحسانًا- لإسقاط امتعاض كاتب الأسفار من قانون الرقابة المُسبقة على المطبوعات.
- تفصيلة ذكية عندما أشار إلى أن من دعا عليه بالشلل في يديه، كان هو حفيد الشيخ كريم العين.
التقييم النهائي
يستكمل سعود السنعوسي مشروعه الروائي ”أسفار مدينة الطين“ برسوخ وقوة. يستمر أسلوبه الروائي بثبات لا يتقلّب. يضيف في هذا الجزء تصوير الحرب التاريخية بمهارة تجمع ما بين التشويق والتوثيق، مع الحرص أن يظهر ذلك مُنسجمًا مع نسيج العمل الروائي.
رواية ”سِفر التَبَّة“ الجزء الثاني من أسفار مدينة الطين، ينجح الكاتب مُجددًا في التحكّم بإيقاع الرواية بين مدّ وجزر لموجات من تشويق وترقّب ومشاعر مؤثّرة، مع استخدام مميز لبعض التقنيات السينمائية في تصوير بعض المشاهد. ليتبقى له خطوة واحدة لإتمام مشروع آمل أن ينتهي على قدر يليق به من الإتقان.
- نجمة = لم يعجبني
- نجمتان = مقبول
- 3 نجوم = أعجبني
- 4 نجوم = أعجبني بشدة
- 5 نجوم = استثنائي
مراجعة الجزء الأول - سِفْر العَباءَة




