-->
U3F1ZWV6ZTI4MTk2MTU0NzE5X0FjdGl2YXRpb24zMTk0MjM1MzE2MzE=
random
أخبار ساخنة

أربعون من عمري: من العمر أنضجه!


لماذا نشعر كلما كبرنا في العمر بأننا قد قل انغماسنا في الحياة، وكيف يتنامى داخلنا إدراك بأننا لم نعد نرى الدنيا كما كنا نراها سابقًا؟ كيف يبدأ اهتمامنا بالأشياء يتناقص بشكل مرعب، ليحل محله زهدًا يُغيّر من أهواءنا دون سبب مفهوم.

يُخيّل للبعض أن ذلك سببه الحكمة، لكن الزُهد لا ينبع من الحكمة في كثير من الأحيان، وإنما ينبع من الروح. وإن الروح لا يُغيّرها إلا المعرفة أو مرور السنوات! وأحدهما أو كلاهما يجعلان الانسان قادرًا على استيعاب الحقيقة… الحقيقة عن كل شيء… حقيقة وجوده وحقيقة الحياة من حوله.

لكل شيء في هذه الدنيا وجه سلبي، والمعرفة ليست استثناءً، فكما توضح لنا المعرفة معاني الجمال والحب، تكشف لنا بالمقابل معاني الكراهية والألم. إن المعرفة تلوّث براءتنا التي اكتسبناها من حماية من علّمونا، حين اعتقدوا بأن إخفاء الوجه القبيح للحياة؛ قادر على أن يجعلنا أكثر سعادة! لكن حين حانت لحظة مواجهتنا للحياة، اكتشفنا أننا لم نكن مُسلّحين بما يكفي بأن يقلل من وطأة اصطدامنا بالحقيقة!

هناك من يقرأ ليخمش شرنقة البراءة التي يعيش فيها، فيقرأ عن معاناة الآخرين ممن كان قدرهم أن يواجهوا آلام لم يتوقعوا حدوثها. قد يساعدنا هذا في بناء جيل قوي يستطيع مقاومة الشر الإنساني المرسوم على وجه الحياة، بينما يصرٌ الكثير على أن الواقع الحقيقي ليس في صفحات الكتب، ويُفضّلون مواجهة الحقيقة بصدر عارٍ.



يقولون إن العقل يبلغ اكتماله في سن الأربعين، فيكتمل الوعي وتولد الحكمة. باختصار… من المفترض عند بلوغ سن الأربعين أن نرى الحقيقة كاملةً. قد يصل البعض إليها قبل هذا السن، لكن من لم يصل إليها عند هذه المحطة من العمر فهو في الواقع يهرب منها!
يهرب الانسان من حقيقة أن رحلته في الحياة قاربت على نهايتها، وأنه لن يستطيع الاستمرار في الشعور بالقوة والمتعة مثلما كان يشعر بها في فترة شبابه، فيملأه ذلك بالفزع، ويسعى كي يثبت أنه في كامل عنفوانه، مُتناسيًا أن لا أحد يهتم بإثباتاته إلا هو!

يزعمون إنه سن اليأس، وأنا لا أفهم عن أي يأس يتحدثون. إن قوانين الحياة ثابتة منذ الأزل، والأفول جزء من تلك القوانين، ولكننا اعتدنا على عدم التفكير فيها إلا حين مواجهتها.

في رأيي… إن سن الأربعين هو سن الرضا والبحث عن السعادة الحقيقية والاستمتاع بها!
إن مزيدًا من العمر ليس شرطًا أن يحقق لنا مزيدًا من السعادة، ولكن كيف يمكن للإنسان أن يرضى دون الإقرار بأن له دورًا في هذه الحياة مُقدّر له أن ينتهي في يوم من الأيام؟

أنا أرى أن السعادة بعد سن الأربعين هي سعادة اليقين، هي السعادة التي نستطيع أن نكتشفها بعد أن نرى العالم على حقيقته. أن ندرك أن الموت رسالة مثلما الحياة، رسالة بأن تحرص على ترك ذكرى وذاكرة لمن بعدك. أن تدرك أن الألم هو أثر جانبي للسعادة، وبأن الحرب قد تخلق أجيالًا تُحب السلام، وبأن معرفة القبيح لازمة كي ندرك قدر الجمال، وبأن البشر قد يجتمع الحب والكره في قلوبهم، وبأن التسامح هو السبيل إلى العيش بسلام داخلي، وبأن الغضب حماقة يخفق الكثير من البشر في تجنّبها. أن نعي أن الحياة حق للبشر جميعًا، وبأننا لسنا سواسية إلا أمام خالقنا، وأننا لا يجب أن نكون مسوخًا لنماذج ثابتة أو صورًا لبعضنا البعض مهما تشابه الكثير منا.


أتعجب كثيرًا كلما فكّرت كيف أننا نتشابه كثيرًا رغم كل اختلافاتنا! يتشابه كل الأطفال في أفعالهم، ثم يتشابه المراهقون في طيشهم، ثم يتشابه الشباب في اندفاعهم، ثم يتشابه من في الأربعين من أعمارهم في نضجوهم، بينما يتشابه من في سن الكهولة في زهدهم!
أرى ابنتي التي هي على مشارف مرحلة المراهقة تجادلني في كثير من نقاشاتي معها، تنكر عليّ بعض أفعالي، بينما تدافع هي عما أنكره في أفعالها. لكنني لا أغضب منها مثلما كان والدي -رحمه الله- يغضب مني حينما كنت في عمرها أو في عمر أكبر منها، لم يكن يحاول أن يفهمني لأنه كان نافد الصبر، وأنا بالمقابل كنت أفشل في أن أفهمه مهما حاولت. كنت لا أبالي لأفكاره الغريبة التي تدور حول حلمه بالعودة للعيش في مدينته التي نشأ فيها طفلًا، أو من شروده حين كان يحكي لي عن ذكرياته مع إخوانه وأبيه والتي مرّ عليها أكثر من خمسة وعشرون عامًا. الآن فقط أفهم كم كان يملأه الشجن، يشعرني ذلك بالحزن لأنني لم أستطع أن أشاركه حنينه في تلك الأيام.

اليوم أسترجع ذكرياتي بين الحين والآخر، وأحكي لابنتي عنها، تمامًا مثلما كان يفعل أبي في الماضي، بينما أرى في عينيها ابتسامة غير مكترثة كالتي كنت أرسمها على وجهي حينما كنت في عمرها. كيف من الممكن أن نتشابه هكذا؟!

عندما أفكر في أن هناك مئات الملايين من البشر من قبلي قد بلغوا سن الأربعين مثلي، أتساءل… من أنا وسط كل هذا الحشد العظيم من البشر. هل أنا مجرد رقم ما بين من سبقوني وبين من سيأتون من بعدي؟ وماذا سأضيف إلى الحياة، وهل يتوجّب عليّ أصلا أن أضيف شيئًا؟

اليوم أبلغ الأربعين من عمري.

أعرف الكثير… وأجهل أكثر مما أعرف.

 بداخلي تسامح مع حياة لا أخشى إن تركتها غدًا.

لهذا أكتب كلماتي هنا، لعلّ أحدًا يأتي من بعدي فيعيها قبل أن يبلغ الأربعين!
الاسمبريد إلكترونيرسالة