random
أخبار ساخنة

حوار مع عالم الأعصاب د. دين برنيت Dean Burnett




 

    


حوار عن المُخ والاكتئاب والفوبيا والقراءة والكتابة الإبداعية... وأشياء أخرى.

      
    
  

مُقدّمة قبل الحوار

   





لطالما سألت نفسي "لماذا يثق الإنسان في عقله ثقة عمياء؟"

خلال رحلة حياتنا نكتشف أن المُخ يعمل أحيانًا بطرق تبدو ساذجة وأخرى تبدو بدائية! وكثيرًا ما يعيد الأخطاء التي يقع فيها. لكن وعلى الرغم من ذلك، لا ننظر إليه مُطلقًا بارتياب. لا أحد يُكذّب نفسه وعقله وذكرياته. إننا نرى عقولنا مرجعيتنا الموثوقة. ونعتبرها هويّتنا ودليلنا الأكيد على النضوج. لكننا -في الواقع- نتجاهل أمرًا هامًا!


عقولنا كثيرًا ما تخدعنا! قبولنا بهذه الحقيقة أو رفضنا إياها لن يُغيّر من صحتها. نحن في صراع مستمر معها. كلما حاولنا السيطرة عليها تراوغنا. تزرع فينا حنينًا شَجيًّا لماضٍ ليس ورديًّا. تزوّر ذكرياتنا، فتُغيّر فيها. تلغي وقائعًا قد حدثت، وتختلق أحداثًا لم تقع بالأساس. يربكنا ذلك أحيانًا، لكن في الأغلب تقنعنا عقولنا ببراعة، فنُصدّقها من أجل الهروب من مواجهة أنفسنا بالحقيقة.


قد يغفل الكثير منا عن أن أغلب مخاوفنا ليست حقيقية، وأن أمخاخنا هي التي صنعتها. لكننا نكتم كثيرًا مخاوفنا لأن كل من حولنا يخبروننا بأن أمورهم على ما يُرام، فنتوهّم أننا وحدنا في هذا الهمّ. وهذا أبعد ما يكون عن الحقيقة!

   

في محاولة للفهم وللتعايش السِلمي مع عقلي، كان لا بُدّ لي أن أقرأ أكثر في هذا المجال. كنت بالفعل قد اطّلعت على العديد من الكُتب المُتعلّقة بالمُخ وخصائصه المُرَكَّبة والمُحيِّرة، لكن كتاب ”المُخ الأبله“ لعالم الأعصاب الإنجليزي "دين برنيت" - "رابط مُراجعة الكتاب". لفت انتباهي ببساطته وسهولته. فقد عرض الكثير من المعلومات الطبيَّة بشكل فُكاهي وماتع وسهل الفهم. كما اهتمّ فيه الكاتب بمحاولة خلق علاقة تفاهم بيننا وبين أمخاخنا، كي نتمكّن من المُضي قُدمًا في حياتنا بشكل مُتوازن. وبدت لي محاولته وكأنها حفل تعارف بين توأمين مُلتصقين اكتشفا للتوّ أنهما لم يعرفا بعضهما البعض حق المعرفة!


تولّدت داخلي عدة تساؤلات بمُجرّد انتهائي من قراءته، وفكّرت بأنني أحتاج إلى أمر أكبر من القراءة. هكذا خطرت في ذهني فكرة إجراء حوار مع -مؤلّف الكتاب- عالم الأعصاب ”دين برنيت“. تواصلت معه فتكرّم مشكورًا بقبول طلبي بإجراء هذا الحوار، ليكون ضيفي الرابع في مشروعي لإجراء سلسلة حوارات مع عدد من الأدباء والمُثقفين حول العالم، والذي بدأته مع ضيوفي الثلاثة السابقين: الروائية الكويتية بُثينة العيسى (رابط اللقاء)، والمُترجم السوري مُعاوية عبد المجيد (رابط اللقاء)، والقاص السوري إبراهيم صموئيل (رابط اللقاء).


حاولت أن أدير حوارًا مُختلفًا، وآمل أن أكون قد وُفّقت في ذلك، وأن يضيف هذا الحوار لي ولمن يقرأه الفائدة المرجوّة.


  

ملحوظة: النسخة الإنجليزية الأصليّة من الحوار موجودة على هذا الرابط لمن رغب بالاطلاع عليها.

  

شُكر خاص: كُل الامتنان لزوجتي العزيزة على دعمها ومُساعدتها المُلهمة، والتي كان لها الفضل الأكبر في أن تظهر الترجمة بهذه الصورة. وأعترف بأنني قد تعلّمت منها الكثير بخصوص الترجمة السياقية.



أحمد فؤاد


    

  


حوار مع دكتور دين برنيت


  




     



1- هل من الممكن أن تُحفّز قراءة الأعمال الأدبية على نوبة رهاب (فوبيا)؟

   


نعم، من الممكن أن يحدث ذلك. هناك العديد من الحالات المعروفة لأشخاص أصبحوا خائفين بشكل غير منطقي من أشياء -فقط- قرأوا عنها، وذلك بسبب وجود حالة رهاب (فوبيا) موجودة لديهم بالفعل.

على سبيل المثال، الأشخاص الذين يعانون من رهاب (فوبيا) العناكب، على الأغلب سيمرّون بوقت عصيب للغاية عند قراءة تفاصيل متعلقة بالعناكب، أو أثناء القراءة عن هجوم عنكبوت



من الجدير بالذكر أن أنواع الرهاب المختلفة تنشأ لدينا بسبب قيام المُخ بمحاكاة وهمية (تصوّرات تخيّلية) لحوادث سيئة للغاية تحدث لنا، وذلك عند مواجهتنا مصدر الخوف، أو حتى لمجرّد تعرضّنا لما قد يثير هذا الخوف داخلنا ويُذكّرنا به. لذلك فإننا عندما نقرأ في الأعمال الأدبية عن أمور تثير مخاوفنا الداخلية؛ فيقوم المُخ حينئذ بخلق تصوّرات (سناريوهات) تخيليّة مخيفة.

     
        


2- هل يُمكن أن تخلق قراءة الأعمال الأدبية حالة رُهاب (فوبيا) لدى القارئ من شيء ما، حتى وإن لم يكن لديه مخاوف مُسبقة تجاه ذلك الأمر؟


     



لا أظن أنني قد سمعت عن أية حالة رهاب (فوبيا) حقيقية بشكلها المُتعارف عليه طبيًا؛ نشأت نتيجة عن شيء قرأه أحد ما في كتاب روائي. أنا أعتقد أن ذلك صعب الحدوث، فبعكس ما يحدث أثناء مشاهدة التلفاز أو الأفلام السينمائية وما إلى ذلك، يعمل يشارك المخ بشكل أكبر نشاطًا في تَخَيُّل السيناريوهات التي يصفها الكتاب. لا توجد مثيرات حسية أخرى تستثير المخ سوى الكلمات، وحسب آليات الدفاع لدى المُخ يعني ذلك أنه من غير المحتمل أن ينتهي الأمر بالقارئ بخلق شيء يخيفه إلى تلك الدرجة.





مع ذلك، لا أقول إن الناس لا يمكن أن تُصاب بالرُهاب (الفوبيا) / أو بالخوف المَرَضي تِجاه أشياء قد قرأوا عنها في الكتب. إن الوصف التفصيلي والانغماس في التخيّل، قد يجعل الناس تنظر إلى الأشياء العادية في حياتنا اليومية بشكل مختلف أو بالأحرى بشكل أكثر تخوّفًا عمّا كانوا يفعلون قبل قراءة الكتاب. لقد مررت شخصيا بتجربة مماثلة، فبعدما قرأت رواية The Stand لستيفن كنج عن فيروس انفلونزا قاتل يقضي على مُعظم البشر في العالم، أصبحتُ أكثر توترًا وجزعًا في كل مرة أسمع فيها من يسعل بالقرب مني، الأمر الذي لم يكن ليزعجني أبدًا في السابق.

     

   

 



3- هل من الممكن أن يحضّ الاكتئاب على الإبداع (الكتابة الإبداعية على سبيل المثال)؟ أم أن الإبداع هو الذي قد يتسبب في الإصابة بالاكتئاب؟


   


هناك رابط معروف بين الأشخاص المبدعين والمشكلات النفسية، مثل الاكتئاب في كثير من الأحيان، (يرى الكثير بأن الرسام فينسنت فان جوخ كان مصابًا باكتئاب شديد). هناك العديد من التفسيرات المحتملة لذلك، فعلى الرغم من أن الاكتئاب يرتبط في الغالب بانعدام الدافع، لكن ذلك ليس الحال دائما، كما أن نوبات الاكتئاب لا تستمر للأبد. أولئك الذين يعانون من الاكتئاب قد يشعرون أنهم مُجبرين على فعل "شيء ما"، أي شيء للتعبير عن الحالة التي يمرّون بها.



العديد من أساليب علاج الصحة النفسية تتضمن حثّ الأشخاص المُكتئبين على خلق شيء ملموس للتعبير عن الجوانب النفسية/ العقلية للاضطراب، لذا فإن عملية إبداع شيء ما قد تساعدهم على ذلك بالفعل. تضفي هذه العملية نوعًا من التركيز والسيطرة على النفس وما إلى ذلك، مما يُخفّف -إلى حدٍ ما- من سلبية الاكتئاب.





إن الاكتئاب واضطرابات المزاج الأخرى تتسبّب أيضا في أن يشعر المصابون بمشاعر وأحاسيس لا يشعر بها الآخرون عادة. يُمكننا القول إن أجزاء من أمخاخهم تكون "في حالة نشاط" بشكل أكبر، مما يُمكّنهم من اكتشاف زوايا مُبتكرة ورؤى فريدة، والتي تؤدي بدورها إلى إثراء عملية الإبداع.



بالنسبة للشق الثاني من السؤال، لا أظن أنه أمر شائع، لكنني لا أرى ما يمنع من أن يتسبب العمل الإبداعي في إصابة المُبدِع بالاكتئاب أو على الأقل يزيد من احتمالية حدوثه لديه، خاصة إذا كنت تبتكر شيئًا شديد الخصوصية أو شيئًا مأساويًا للغاية. عندها يُمكن لتلك الانفعالات العاطفية أن تتسرب إلى عقولنا. إن المخ يستوعب المشاعر والخبرات الحسية ويُعالجها بشكل أساسي من خلال " تقمّصها". بمعنى آخر، فإن أمخاخنا يتوجّب عليها اختلاق شعور ما، كي يُمكنها استيعابه ومن ثَمّ معالجته بنجاح. لذا فإن انغمست في عمل إبداعي مليء بالمشاعر السلبية، فسوف يؤثر ذلك على عقلك أنت، ربما إلى حدٍ مُضرّ.


   
   
  
4- ألا يُمكن أن يتأثّر الإنسان ويُصاب بأعراض الاكتئاب أو حتى بنوبة اكتئاب سريرية عند القراءة عنه؟ هل تسهل إصابة الشخص بالاكتئاب بعد قراءة موسّعة عن أعراضه؟ كيف يُمكن تجنّب ذلك؟ كيف يُمكن أن نُحقق المستوى المطلوب من الوعيّ بين الجمهور، دون أن يأتي ذلك بنتيجة عكسية؟


   


من الشائع جدًا أن يعمد الناس للانحياز التأكيدي في مثل تلك المواقف، بمعنى أنهم عندما يقرؤون عن حالة ما، ويشتبهون أنهم مصابون بها، سوف يركزون تلقائيا على الجوانب التي يشعرون أنها تنطبق عليهم، ويتجاهلون أو يقللون من أهمية الجوانب الأخرى التي لا تنطبق عليهم. نحن أيضا نميل في العادة إلى التركيز على التبعات السلبية، لذا فنحن ننجذب أكثر إلى المعلومات التي توحي بأننا لسنا على ما يرام.

لكن ذلك يختلف عن المعاناة الفعليّة من الاكتئاب، لذا أقول إن ذلك (أقصد الإصابة بالاكتئاب لمجرد القراءة عنه وعن أعراضه) أقول إن ذلك يصعب حدوثه للغاية. من المُمكن أن تشعر بأنك مُحبط بشكل عام بعد القراءة عن الاكتئاب، تمامًا كما يحدث عند مرورنا بحالات حُزن، ولكن ذلك ليس اكتئابا سريريا. إن تشخيص حالات اضطراب الاكتئاب السريري المُتعارف عليه طبّيًا، أمر أكبر من ذلك بكثير.



في حقيقة الأمر، إن قُدّمَت المعلومات بشكل طبيّ بحت، أي مجرد حقائق طبيّة عن الاكتئاب مثل: الأسباب التي تُعزّز الإصابة به، مدى انتشاره، أعراضه المختلفة. في هذه الحالة لن تثير هذه الحقائق مشاعرنا السلبية بشكل خاص.. لذا لا بأس من القراءة عن تلك المعلومات، ذلك لأن احتمالية الإصابة بالاكتئاب -السريري - بسبب القراءة عنه، لهي احتمالية ضئيلة جدا.

ربما يُعرّضنا التعرّف على مرض الاكتئاب والإلمام بأعراضه وطرق ومواجهته، لخطر ضئيل للغاية للدخول في نوبة اكتئاب حقيقية. لكن في المُقابل، عدم التوعية بمرض الاكتئاب ومشاركة المعلومات عنه، له الكثير من العواقب السيئة.


     
  


5- للأسف، إن الكثير من المُجتمعات لا تعترف بأن حالة الاكتئاب السريري هي حالة مرضية حقيقية، وأنها قد تُفضي إلى الانتحار دون أي أسباب منطقية. لدى تلك المُجتمعات اعتقاد خاطئ بأن حالات الاكتئاب السريري تُهاجم فقط الأشخاص "ذوي الشخصية الضعيفة". في رأيك، كيف نستطيع التخلّص من وصمة العار التي تلاحق هذا المرض النفسي الخطير؟ وكيف يُمكننا رفع الوعي المُجتمعي تجاه هذا الأمر؟ وأخيرًا كيف يُمكن للمريض التعامل مع هذه المُعضلة؟



     


إنها مشكلة كبيرة جدًا، ولا يتسع لي المجال الآن لمناقشتها في إجابة واحدة. إن التصوّر المغلوط عن الاكتئاب بأنه يعني ضمنيًا "ضعف الشخصية" لا يفيد بالمرّة، كما أنه غير صحيح على الإطلاق. فمثلًا نرى أن الاكتئاب شائع جدًا بين الجنود المحاربين، وعلى الرغم من ذلك لا يمكن لأحد أن يدّعي أنهم جميعًا "ضعفاء".

من خلال مشاركة المعلومات والخبرات على أوسع نطاق ممكن، يمكننا أن نأمل في القضاء على تلك الوصمة المرتبطة بالاكتئاب. عندما يتحدث أشخاص ذوي شهرة أو ذوي مكانة علميّة أو اجتماعية عن تجاربهم مع الاكتئاب، فإن أثر ذلك عادة ما يكون فعالاً بشكل كبير، حيث يساعد ذلك في تقبّل المُجتمع للأمر بشكل أفضل، وأكثر اعتيادًا عليه.

أما بالنسبة للشخص العادي المصاب بالاكتئاب، فإن الأمر يختلف من شخص لآخر. فمثلًا لا يُنتَظَر ممن هو حاليًا في قبضة نوبة من نوبات الاكتئاب أن يُظهِر معاناته على الملأ فقط لتوعية الآخرين، لكن إن خرج المصاب من نوبة الاكتئاب وشعر بالرغبة في مشاركة تجربته، عندها سيكون ذلك مفيدًا للجميع.



   
       
  



6- كيف يُمكن للإنسان أن يُسيطر على قلقه وخوفه أو على الرُهاب الذي يُعاني منه، أو على الأقل يُخفّف من أعراضه، في حالة عدم قدرته على التواصل مع طبيب مُتخصص؟


    


معظم من يعانون من اضطراب القلق أو الرهاب (فوبيا) يميلون إلى ممارسة "سلوك التَجَنّب" وذلك عن طريق البقاء بعيدًا عن أي شيء قد يحفز القلق أو الرهاب لديهم. قد يكون ذلك سهلًا للبعض أكثر من البعض الآخر، فعلى سبيل المثال إن كان لديك رهاب من الأفاعي لكنك تسكن في مدينة كبيرة مزدحمة بالمباني، عندها سيكون من غير المحتمل أن تُصادف أفاعٍ، لكن إن كان لديك رهاب من الطيور، فالأمر سيكون أصعب لأنها ستكون في كل مكان حولك.

من الصعب التغلب على ذلك دون مساعدة من قِبَل متخصصين، لكن الأشخاص المصابين يمكنهم محاولة تخطّي هذه المُشكلة باستخدام أسلوب "التعرّض التدريجي" حيث يُعَرّض المصاب نفسه بشكل مخفف لبعض الجوانب المتعلقة بالرهاب التي لا تتسبب في حدوث نوبة رهاب، ثم يزيد هذا التَعَرّض تدريجيًا وببطء. على سبيل المثال إن كنت تخاف من الطيور، إذن ابدأ أولًا بالنظر إلى الطيور في أفلام الكرتون، ثم طالع صورًا لطيور حقيقية، وبعدها امسك بعض الريش بيديك، ولاحقًا شاهد مقاطع فيديو للطيور وهكذا.

تعمل هذه الطريقة من خلال رفع مستوى تحمّلَك دون التسبب في إثارة نوبة ذعر. قد يستغرق ذلك بعض الوقت، لكن يبدو أن الأمر ينجح في النهاية.


   
   

7- تسبّبت جائحة كورونا وما تبعها من أحداث مثل الإغلاق الكُلّي وحظر السفر وإغلاق المدارس حضوريًا، تسبّبت بشكل كبير في ارتفاع حالات الاكتئاب ومُتلازمة القلق سواء بين البالغين أو المُراهقين. كيف يُمكننا مواجهة هذا التحدّي العظيم؟ وكيف يُمكننا أن نُقلّل من الآثار طويلة المدى التي من المُمكن أن يواجهونها في المُستقبل؟


  


بالرغم من أن الوباء قد تسبّب في مشكلات نفسيّة ظهرت بشكل أكبر لدى الأجيال ذات السن الصغير (اليافعين والمُراهقين). لكن في المقابل فإن العديد من الأمور الأخرى التي تتسبب عادةً في زيادة التوتر لدى المُراهقين وتؤدّي إلى تدهور الصحة النفسية (على سبيل المثال: الاستيقاظ في وقت مبكر جدًا للذهاب إلى المدرسة، توتر الامتحانات، الخوف من تفويت شيء ما)، كل تلك الأمور اختفت من حياتهم بسبب الوباء، الأمر الذي خلق توازنًا حَدّ من التأثيرات السلبية التي نتجت عن الوباء بشكلٍ ما.

لكن بديهيًا، تظل أفضل الطُرق لمواجهة هذا التحدي هي: 1) بزيادة مستوى الوعي بمشكلات الصحة النفسية. 2) توسيع نطاق توفير خدمات رعاية الصحة النفسية قدر المُستطاع. لكن مع الأسف، فعلى الرغم من أن النقطة الأولى عادة ما يتم دعمها والتركيز عليها، إلا أن العديد من الحكومات تتردد كثيرًا في الإنفاق على (تمويل)أنظمة الرعاية الصحية النفسية اللازمة.

أعتقد أنه يُمكننا العمل على تغيير رأي الحكومات وتعديل سياساتها تجاه هذه القضية من أجل مُستقبل أفضل.


    







   



8- لو أعدت كتابة كتاب "المخ الأبله"، ما الأجزاء التي قد تعيد كتابتها مرة أخرى على ضوء جائحة كورونا وما عايشناه خلال العامين الماضيين؟


    


على الأرجح كنت سأكتب أكثر عن تأثير الانعزال والوحدة، كما كُنت لأشير إلى الدور الجوهري للمشاعر في التعامل مع التجارب السيئة.

لقد فقدت أبي بسبب الإصابة بفيروس كورونا (كوفيد 19) في وقت مبكر جدًا من انتشار الوباء، لذا فقد كنت أواجه الكثير من مشاعر الحزن والصدمة وأنا في عزلةٍ أغلب الوقت. لقد علمتني تلك التجربة الكثير.

في الواقع فإن هذا هو موضوع كتابي القادم، لكن إن كان بإمكاني العودة للوراء وإبراز أهمية ذلك في واحد من كتبي السابقة، لفعلت ذلك.



   
   



9- كونك عالم أعصاب وشخصًا مُلمًّا بطُرق المُخ المُخادعة، هل يجعلك ذلك أكثر قدرة على تمييز الصواب من الخطأ؟ وهل بِتُّ أقل عرضة للتأثّر بنزعاته غير المنطقيّة؟


   


يُمكنني القول إن كوني طبيب أعصاب قد ساعدني على إدراك حقيقية أنني قد أكون مخطئًا بشأن بعض الأمور. لكن إن كُنت تقصد بتعبيرك "الصواب من الخطأ" هو "الصحيح من غير الصحيح" بدلًا من السؤال الأخلاقي "الخير من الشر" فإن ذلك لا يزال صعبًا بالنسبة لي.

ما زالت أمور مثل تقييم المعلومات المقدمة إليك، ومِن ثَمّ استنباط مدى صحتها أو منطقيتها، تتطلّب الكثير من الوقت والجهد والتركيز وأكثر. قد لا يتوفّر لنا ذلك في جميع الحالات التي نواجهها. لكن خبرتي وبصيرتي التي اكتسبتها من سنواتي الطويلة في دراسة علم الأعصاب؛ تعني أنني أحيانا ما أوقف نفسي لأتساءل وأتأمّل "لماذا قلت ذلك؟ لماذا أشعر هكذا؟ ما الذي دفعني كي أرد بتلك الطريقة؟"



أميل إلى تقييم نفسي بشكل أكثر من المُعتاد، كما أنني أكثر حذَرًا من الوقوع في الفِخاخ والمكائد المخادعة التي تميل أمخاخنا إلى نصبها لنا. هذا لا يعني أنني لا أقع فيهم، لكن دعني أقول إنني أحب الاعتقاد بقُدرتي على الخروج من تلك الفخاخ بشكل أسرع.


       
  

   


10- تطرّقت إلى الجانب المُظلم للسعادة في كتابك "المُخ السعيد". ألا يؤثر الخوف من ذلك الجانب المُظلم على الإنسان؟ ألا يجعله ذلك يخشى من السعيّ إلى السعادة؟


   


لا أظن أن في ذلك مدعاة حقيقية للقلق. السعادة هي جانب أساسي للغاية من الجوانب التي تُحدّد شخصياتنا وتُظهر لنا من نحن وكيف نتصرف. لا يمكنني تصور موقف يكون فيه الناس قلقون فعلًا من سعيهم وراء السعادة بسبب خوفهم من أن "تسوء الأمور" بسبب ذلك السعيّ. لكن وكما الحال دائما، الأمر كله يتعلق بالاعتدال. لقد كتبت أيضًا عن مخاطر "الإيجابية السامة" حيث يتوقّع الناس أو يصرّون على الحصول على السعادة في جميع الأوقات، وهذا الأمر في الحقيقة مُضرّ بدرجةٍ مُماثلة على الصحة العقلية وعلى الراحة النفسيّة. باختصار، هذه ليست الطريقة التي تعمل بها أمخاخنا. لذا لعل الشعور ببعض القلق من السعادة المُفرِطَة هو أمر جيد.


   
   


11- كيف يمكننا الحفاظ على سلامتنا النفسية عند العيش في علاقة سامة (مُسيئة مُتعسّفة) تستنفذنا؟


   


لحسن الحظ، لم أكن أبدًا في مثل ذلك الوضع، لذا لن أستطيع التعليق على ذلك من خلال منظور شخصي. غير أن هذا ليس سؤالًا مِثاليًا، حيث أن أكثر الإجابات وضوحًا ومنطقية هي أن تُخرِج نفسك من تلك العلاقة بأي طريقة مُمكنة. إن التساؤل عن كيفية الحفاظ على صحة نفسية جيدة في مثل ذلك الوضع، يشبه التساؤل عن كيفية مواصلة عملك بينما مكتبك يحترق! لا يجب عليك المواصلة؛ بل أنت في حاجة إلى إخماد الحريق.



أنا مدرك أن القول أسهل بكثير من الفعل، وأن العديد من الناس في مثل تلك الحالات لا يمتلكون البصيرة الكافية لإدراك محنتهم، ذلك لأن الروابط العاطفية تخلق حالة ارتباك للمخ، كما أنها تُضعِف قدرتنا على التمييز، ومهاراتنا التحليلية للأمور عندما يتعلق الأمر بشريك حياتنا.

إن كنت واعٍ ومُدرك للمشكلات الموجودة في علاقتك، لكنك لا تستطيع الهروب منها حتى الآن، إذن ابحث عن الخطط والأساليب المناسبة من أجل تنفيذها -للخروج من تلك العلاقة- في وقت ما في المستقبل. إن أي شيء يتيح لك قدرًا من الاستقلالية - قدرًا من السيطرة أو التحكم- سيساعدك على تحسين حالتك النفسيّة.



   
   


12- كيف يُمكن للإنسان تجنّب الضغوط والتي يُمكنها أن تقوده إلى انهيار عصبي؟


   


ببساطة، أي شيء تفعله من أجل أن تبعد نفسك عن الوضع الذي تُعاني منه، ولتمنع تأثير ما يُسبّب لك كل ذلك التوتر؛ سوف يفيدك. لكن كُن مُدرِكًا لحدود قدراتك، وابذل جُهدك كي ترفض كل أمر يتطلب منك أن تُقدّم أكثر مما تستطيع تقديمه.



أما إذا كنت قد وصلت إلى مرحلة لم تعد تستطيع فيها الاحتمال وشعرت بأنك استُنفزت كُليًّا، فالتمس الدعم والمساعدة بشكل عاجل، لأن الأمر سيكون صعبًا للغاية إذا كُنت قد وصلت بالفعل لمرحلة الانهيار.



   
   




13- كيف يُمكننا تربية وتهيئة أبنائنا وأطفالنا على زيادة وعيهم لمساعدتهم على إدراك المشكلات النفسيّة والتعامل معها؟


   


ببساطة عن طريق تثقيفهم بشأن مسائل الصحة النفسية قدر الإمكان. لقد صار ذلك أسهل بكثير مما كان عليه الوضع سابقًا بفضل الإنترنت ووسائل التواصل الاجتماعي. كما أن مصارحتهم ومناقشتهم بوضوح بخصوص المواضيع الشائكة بدلًا من التهرّب من مُناقشتها لتجنب صعوبة النقاش المُتوقّعة، يمكن أن يُحدِث فارقًا كبيرا.



   
   

14- أهناك فرق بين كتابة المدونات أو المقالات اليومية والأسبوعية، وبين كتابة كتاب؟


   


بالطبع هناك فرق كبير جدًا. عند كتابة المقالات الأسبوعية، تكون وتيرة إنجاز العمل سريعة للغاية. الإيقاع سلس. تُحدّد الموضوع الذي ترغب في الكتابة عنه، ثم تقوم بالبحث اللازم عن الموضوع وتكتب المقال، ثم ترسله كي يتم نشره. كل هذا يتم غالبًا خلال أيام قليلة منذ البداية إلى النهاية. حتى إذا لم تسر الأمور على ما يرام، هناك دائمًا أسبوع قادم لكتابة مقال آخر.

وعلى الرغم من أنك -في حالة تأليف كتاب- يكون لديك المزيد من الوقت لكتابته، إلا أن ذلك يطرح تحديات أخرى. فمن الصعب الحفاظ على الحماسة والنشاط عندما تعمل على خلق شيء ما لمدة أشهر عديدة، هذا بالإضافة إلى المجهود المبذول لجعل الكتاب منطقيًا ومترابطًا في السرد وما إلى ذلك.



هناك أيضًا اختلاف كبير في قياس "النجاح" بين النوعين. فالمقال ينجح أو يخفق -عادةً- في اليوم الأول من نشرِه على مواقع الإنترنت، وذلك اعتمادًا على عدد زيارات الموقع، وعدد النقرات، وتفاعلات الجمهور، وغيرها من الوسائل.. أما الكتاب فهو يظل على الأرفف لمدة طويلة جدًا، بل وقد لا يشهد تحركًا كبيرًا. حتى يتسبب شيء ما في إشهاره، ربما بعد أشهر من تاريخ نشره، حينها قد يحقق نجاحا كبيرًا. بسبب ذلك، يكون قياس نجاح الكتاب أمرًا صعبًا



   
   



15- ما هي تحديات نشر الكُتب العلمية وكتابتها بشكل مُبسّط لغير المُتخصصين (للقارئ العادي)؟


   

التحديات الرئيسية التي تواجهني تتمثل في الحفاظ على المادة التي أكتبها مفهومة دون خسارة التفاصيل أو الفروقات الدقيقة. وذلك عادة هو ما يجد الناس فيه صعوبة أثناء كتابتهم عن مثل تلك المواضيع، فلكي يجعلوا الموضوع المطروح سهل الفهم؛ فإنهم يميلون إلى اختزال الموضوع أو تزيينه بطرق مختلفة، لكنها غالبًا تُشوّه أو تخفي المضمون العلمي الذي يحاولون إيضاحه للقارئ.

عادة ما أفترض أن الأشخاص الذين يقرؤون أعمالي يملكون نفس قدري من الذكاء على الأقل، فقط هم ليس لديهم أيًا من معرفتي الحالية. لذلك، يمكنني أن أخبرهم بما أريد، أحتاج فقط إلى أفعل ذلك بلغة بسيطة يمكن لمعظم الناس فهمها. ولقد نفعني ذلك حتى الآن.

    
   

انتهى
    
   

    

من هو دين برنيت؟


    





   

  • وُلِد دين برنيت ونشأ في جنوب مُقاطعة ويلز بالمملكة المُتحدة، في وادي بونتيسمير للتعدين سابقًا.
  • كان أول فرد من أفراد أسرته يلتحق بالجامعة. حيث درس علم الأعصاب في جامعة كارديف.
  • حاصل على درجة الدكتوراة في علم النفس من جامعة كارديف.
  • طوّر دين برنيت -أثناء دراسته- هوايته في الكتابة وتقديم العروض الفُكهاية. شكّلت تلك الهواية نواة مدوّنة علمية مُنتظمة أنشأها فيما بعد.
  • أثناء عمله كمُحاضِر في الطب العقلي، حصل موقع الجارديان الإلكتروني على موافقته بكتابة مقالات دورية، والتي حصلت بدورها على مئات الآلاف من القُرّاء المًنتظمين.
  • في عام 2015 حصل على عرض لتقديم أول كتاب له بعنوان "المُخ الأبله"، وسُرعان ما أصبح الكتاب في قائمة أكثر الكُتب مبيعًا على مستوى العالم.
  • دكتور دين يعمل كمؤلّف مُتفرّغ، كما يعمل في مجال التواصل العلمي "تقديم مواضيع علمية لغير الخُبراء".
    
    
  
أعماله  


   


  1. المُخ الأبله - 2016 - مُراجعة الكتاب - اضغط هُنا
  2. المُخ السعيد - 2018 - مُراجعة الكتاب - اضغط هُنا
  3. لماذا يقودك أبواك للجنون؟ 2019
  4. التحليل النفسي (Psycho-Logical) 2021 (أُصدر سابقًا ككتاب صوتي بشكل حصري لشركة أوديبل المملكة المُتحدة في عام 2019)
    
رابط الموقع الرسمي للمدونة العلمية لدين برنيت على الجارديان - Brain Flapping

    
   

ملحوظة: النسخة الإنجليزية الأصليّة من الحوار موجودة على هذا الرابط لمن رغب بالاطلاع عليها.

author-img
أحمد فؤاد

تعليقات

تعليق واحد
إرسال تعليق
  • Mohammed Makram photo
    Mohammed Makram11/4/22 12:44 م

    موضوع شيق جدا و تمنيت أن تطول بنا الأسئلة فتزيد المعرفة أكثر و أكثر. أنا مع الرأي القائل بأن أغلب المبدعين سايكو و ليس الإكتئاب فقط هو العرض الأبرز في المبدع بل تفرد المبدع بتفرد نفسيته و المعروف أن القلق الداخلي للفنان هو ما ينتج عنه إبداعه و أصالته و تفرده. هذا طبعا رأي شخصي و ان صادق المثل القائل الجنون فنون فإن الفنون جنون ربما أيضا.
    لي تجارب مع أشخاص قريبين مني للغاية يتأثر أحدهم بكل ما يسمع من أعراض مرضية فتظهر عليه و يبدأ رحلات علاجية حقيقية و جادة و متكررة دون أن يقر بالبعد النفسي الغالب عليه. و أيضا شخص عزيز أخر في حالة قلق دائم دافعه هو الرغبة في القيام بكل شيء يفعله على أكمل وجه مما يجنبه الكثير من متع الحياة و يحرمه ثمرة الإحساس بالنجاح و التفوق الظاهر جليا للآخرين فهو في نظر نفسه مقصر دوما. شكرا لك أحمد على هذا الحوار الشيق و شكرا للكاتب الذي لم يدخر جهدا في الاستجابة لمبادرتك الطيبة.

    حذف التعليق
    google-playkhamsatmostaqltradent