random
أخبار ساخنة

مراجعة رواية ”سِفْر العَنفوز“ - أسفار مدينة الطين - سعود السنعوسي

 

 



على قدر ما تمنحنا الروايات أحاسيسًا رائعة، على قدر ما تصيبنا بأوجاعٍ عميقة



الجزء الثالث من  "أسفار مدينة الطين"



نهاية الرحلة


انتهى السِفْر الأخير. تُرى أبَقِيَت مدينة الطين كما هي؟ وكيف هي مآلاتها وتتمات مصائر من فيها؟ سواء في نسخة الماضي أو نسخة الحاضر أو نسخة المستقبل؟!

 

من يدري وسِفْر المولاف لم يُكتَب بعد.

 

وما جدوى تساؤلاتنا إن كُنّا نعرف الإجابات 

وما جدوى الإجابات إن كانت التساؤلات مجرد رغبة مِنّا لتهدئة فزعنا على شخصيات ليس لها وجود!

 

ربما ستخبرنا الصاجّة أم حدب أننا لا نهتم البتّة بالشخصيات. أننا فقط نرغب في أن يكتب أحدهم فرحتنا. أو بالأحرى أن يكتب أحدهم عن مشاعر الفرح وكأننا نحن أصحاب هذه المشاعر! يكتب عن أملنا في أن ينتصر المظلوم، ويُحاكَم الظالِم، وتفوز المبادئ، وتُرَدّ المظالم إلى أهلها ولو بعد حين. 

 

ستُصارحنا الصّاجة بكل وقاحة أننا فقط مُتحمسون كي نُحقّق -في الخيال- ما لا نستطيع أن نراه على أرض الواقع!

 

أم لعلّها ستخفي سخريتها ”كم أنتم بؤساء؟!“

 

ربما كتب صادق بو حدب أسفار مدينة الطين كي يخدعنا. ربما يستدرجنا كي نُكمل الأسفار ولو في خيالنا. 

 

ربما -بخُبث- لم يكن سؤاله عفويًا عندما كتب في آخر صفحات أسفاره:

”من يكتب سِفْر المولاف؟“

 

فليكتب إذن كُلٍ منا سِفْره الخاص.

 

 

 

عاصفة السِفر الأخير

 

يخوض القارئ تجربة قراءة سلسلة ”أسفار مدينة الطين“ -وعلى رأسها رواية ”سِفْر العَنْفُوز“- كتجربة الإبحار بمركب شراعي في عرض البحر تحت إمرة الرياح، تارة يسبح في وداعة على أنغام النسيم، وتارة يتخبّط في أموج عاتية ورياح عاصفة، وليس في وِسع قائده سوى مقاومة الغرق!

 

إن كان الإبحار هادئًا في الجزئين السابقين، فلن يكون هذا هو الحال في هذا الجزء الأخير. عصفت بنا أحداث سعود السنعوسي المتشابكة المُتعاقبة، والتي جعلت القارئ يلهث معها حتى الصفحة الأخيرة من الرواية.

 


روايات ”أسفار مدينة الطين“ كُتِبَت بأسلوب مُـتعدّد الطبقات. وكما أوضحت في مراجعة الجزء الأول ”سِفر العباءة“ -اقرأ المراجعة من هنا- كانت الطبقة الأولى؛ وهي الطبقة ذات الأحداث النادرة والمساحة المحدودة في السِفر الأول والتي تُصوّر العلاقة بين الشايب والكاتب صادق بو حَدَب. ثم تزايدت تلك المساحة بتؤدة وبدون أي تعجّل في السِفر الثاني ”سِفر التَبَّة“ -اقرأ المراجعة من هنا- ، لتطغى في السِفر الثالث على أحداث الرواية. ربما يجعلنا ذلك نحدس أن هذه الطبقة تحديدًا هي الغرض الذي كُتبت من أجله الرواية!

 



 



إثراء الأسلوب السردي

 

في الجزئين السابقين سيطر أسلوب العليم على الرواية مع تناوب سردي للشخصيات، وانتقالات للماضي بأسلوب الفلاش باك Flashback مع التلميح إلى نهايات مستقبلية. بينما اقتصر سرد الطبقة الأولى على أسلوب الراوي أو منظور الطرف الأول First-Party، والذي بالأساس عبارة عن مُذكّرات للبطل.

 

في هذا الجزء الأخير أضاف الكاتب سعود السنعوسي بُعدًا جديدًا ألا وهو المُستقبل، ولم يكتف بإضافة هذا البُعد في شكل فصول تُستدعى لترميم النص أو تطوير الحدث، مثلما كان يحدث في الجزئين السابقين مع فصول الماضي.

 

في واقع الأمر؛ قام الكاتب بنقل السرد إلى منظور جديد وزمن جديد، مع اللجوء إلى أحداث الماضي -التي كانت هي الأساس السردي فيما سبق- لتقوم مقام الفلاش باك الُمكمّل للقصة والذي تُستدعى أحداثه لربط أحداث الماضي بالحاضر والمستقبل، أو لكشف بعض التفاصيل والمآلات بعد أن انسحب ذلك الزمن في الأهمية في مقابل الحاضر المُستقبلي! وأرى أن هذا الخيار قد أنقذ الرواية من فخ الوقوع في الملل، بعد أن أثراها هذا التغيير بمساحة كبيرة من الأحداث والشخصيات والتفاعلات الجديدة.

 

ربما يرى البعض -وأنا منهم- أن أسلوب الجزء الثالث هو الأفضل والأمتع في الرواية. لكن يجب أن ينتبه القارئ أن الفضل في تلك المُتعة يعود بالأساس إلى السرد المُتقَن، وإلى الإرساء المثالي لقواعد وقوانين العالم الأسطوري والتاريخي لأسفار مدينة الطين. في رأيي؛ أرى أن الشعور الماتع الذي شعر به القارئ في هذا الجزء يعود إلى التكامل البارع بين الأحداث والأجزاء، الأمر الذي يجعل القارئ في حيرة إن أراد تحديد مواضع التقاء الخيوط والأحداث في الأسفار.  

 

بعد الانتهاء من قراءة الأسفار كاملة. سندرك أن الأسفار هي رواية واحدة طويلة وضخمة ومتّصلة. وإن أمعنّا النظر فلن نجد هناك فواصل حقيقية بين كل سِفر والآخر. ليس هناك استقلالية لكل جزء. هي حكاية واحدة جُزّئت على ثلاثة كُتب. 

 

 


بين الحاضر والماضي… والماضي البعيد!

 

على الرغم من أن أسلوب التنقّل بين الماضي والحاضر في الأحداث يُعتبر من أنجح الأساليب الروائية، إلا أنه من السهل أن ندرك أن هاجس المقارنة بين الماضي والحاضر يُشكّل جزءًا أساسيًا من لجوء الكاتب إلى هذه الطريقة -وأي إنسان في هذه الحياة لا يملك هذا الهاجس!- ليس هذا فقط، بل أن الكاتب -بذكاء- يدفع القارئ إلى إضافة بُعد المستقبل الحالي ”حاضرنا“ لمقارنته بكلا من الماضي البعيد وحاضر الكاتب صادق بو حَدَب!. أي أن المقارنة بالنسبة للقارئ هي مقارنة بين ثلاثة أزمنة.

 

في رأيي أن اختيار الكاتب لزمن أحداث السِفر الثالث هو اختيار مثالي. لعدة أسباب أولها أن سعود السنعوسي لم يقع في غواية الكتابة عن الكويت في فترة الغزو وما تلاها. وهو بذلك يعطي روحًا جديدة للرواية الكويتية بالكتابة عن أزمنة مختلفة عن الكويت تُثري وجودها الأدبي في الأدب المُعاصِر. 

 

الثاني هو أن الكويت قُبيل الغزو، كانت في أوج تألقّها في المنطقة على جميع المستويات الثقافية الاجتماعية والسياسية والرياضية وحتى الفنّيَّة، ولا غرو أنها كانت تُسمى بلؤلؤة الخليج. واختيار تلك الفترة يجعل المقارنة مع الماضي شديدة التباين والوضوح في التأثيرات التي حدثت في المجتمع الكويتي خلال فترة النهضة والتنمية. 

 

مع كل فصل من فصول رواية سِفر العنفوز“ وحتى ننتهي من قراءتها، نشعر بأن سعود السنعوسي لم يكتب أسفار مدينة الطين كرواية يستمتع بها قُرّاؤه، أو كي يُبرهن بها عن براعته الأدبية، بل نشعر بأنه إنسان يرغب في أن يحكي عن وطنه وأهله وعشيرته، عن انتمائه وحُبّه وارتباطه، عن امتنانه وتقديره لأجداده دون تعظيم أو إجحاف. إنسان يحاول أن يربط خيوط الماضي والحاضر بعين مُتأمّل قارئ للتاريخ والجغرافيا وسيكولوجية البشر. 

 

من الصعب ألا نلمس الرغبة الصادقة لدى الكاتب لدعوة كل قارئ إلى حكاية لطيفة عن الكويت؛ تخفي بين طياتها الكثير مما لا يعرفه الغالبية عنها.

 




 

الموسيقى التصويرية 

 

أصابتني دودة الأذن ”متلازمة النغمة العالقة“ في جميع فصول الرواية في الحاضر. يتردّد في رأسي إيقاع السِنْكَني بلا انقطاع، يتخلّله صوت النهّام والبحارة. صوت خفيض يطغى على أحاسيسي ويجبرني على استنشاق نسيم البحر والإحساس ورطوبته، ربما أشعر برذاذ الماء المالح وحركة الموج المتلاطم، ربما أشعر بشمس تلفحني على شاطئ في انتظار قفال السفن، وربما يزكم أنفي عبق سجاد الموكيت وصوت جهاز التكييف العتيق ”الشبّاك“ الذي يعزلك عن العالم -كأنني في أواخر الثمانينيات حيث زمن صادق بو حَدَب. لا بُد أن هذا قد حدث بسبب الإسقاط، لأن صادق بو حَدَب كان دومًا يستمع إلى السِنْكَني سواء في السيارة أو في المكتب في أغلب الفصول. ربما ما زال هذا الإيقاع يصدح في رأسي أثناء كتابة هذه المراجعة!

 

أرى أن سعود السنعوسي قد أجاد في ربط هذا الإيقاع بأحداث الرواية في ارتباط شرطي ناجح. فإيقاع السِنْكَني هو إيقاع تميّز به أهل الكويت، واستخدموه في رحلات الغوص وفي أسفارهم الطويلة. وهو إيقاع صعب ويُقال أنه من أطول الإيقاعات في العالم من حيث الميزان. وهو فن يحتوي على أجزاء كبيرة ومعقدة في الإيقاعات والأداء والرقص للرجال. أما الأدوات التي تُستخدم في أداء هذا الإيقاع فهي الطبل البحري والطار (دُف) الطويسات (صنوج صغيرة) والمراوس والصرناي (آلة نفخ تُشبه المزمار).

 

 

 

الفانتازيا الشعبية العربية

 

على قدر ما يحوي تراثنا العربي على من الكثير من الفانتازيا الشعبية والقصص الخيالية والبطولية، على قدر قِلّة ما قُدّم ثقافيًا وفنّيًا مقارنة بحجم تلك الحكايات. ومن المُبهج أن يرى القارئ العربي عمل فنّي جديد قيّم في الأدب الشعبي الخيالي. أسفار مدينة الطين ليست مجرد عمل فنّي يُقدّم حكاية أسطورية خيالية، بل هو عمل مُتقن بليغ بعيد عن الركاكة التي تلازم هذا النوع من الأدب في كثير من الأحيان. 

 

تتميّز الرواية بلغة فخمة جذلة مُطعّمة بألفاظ ومصطلحات محليّة عديدة مُحمّلة بإسقاطات عديدة تذوب فيها خُلاصة رؤية ثاقبة لإنسان عاش بين ثنايا الحكايات التاريخية، وفطِن إلى ما بين سطور الحياة. إنسان يرغب في دعوة العالم إلى رؤية وطنه الذي يفتخر به -بكل ما فيه- مع كل كلمة وحرف.

 

وأجمل ما في الرواية هي أنها لا تنجرف إلى الأسطورة، بل تستخدمها كأداة لتقديم الواقع بصورة تليق به، بعيدًا عن رتابة التاريخ الأكاديمي وبعيدًا عن قبضة حُرّاس التُراث.

 


 

أدوات مميزة

 

استخدم سعود السنعوسي أدوات متنوعة ليبث الحياة في روايته في سِفرها الثالث، وخاصة في الجزء الخاص بالمستقبل. يخاتلنا بأدوات حقيقية، وأخرى مُحاكة ببراعة لتصبح أشبه بالحقيقة! يخلط الواقع بالخيال لعلّ القارئ يندفع إلى البحث بنفسه للكشف بنفسه عن تلك الأدوات. مقال صحفي - مقابلة تليفزيونية - إعلان وفيات في صحيفة قديمة - أسماء مسرحيات حقيقية - نشرات إخبارية. استطاع سعود بأدواته أن ينسج عالمًا حيًّا كأنه الواقع!

 

تعدد أساليب السرد نقطة هامة تُحسب للكاتب. تارة يكتب بأسلوب الرواية، وتارة بأسلوب العليم، وتارة بأسلوب الرسائل، وتارة بأسلوب المُذكّرات، ناهيك عن التنقل بالأحداث بين الماضي والمستقبل. أعط هذا التنوّع ثراءً رحبًا للرواية، ومنحها مرونة ومُتعة بالغة.

 

 

 


 

فقط الكتابة تجعل الخيال حقيقة!

 

ربما يصعب على القارئ أن يدرك حالة صادق بو حَدَب عندما انتابته الرغبة المُلحّة للكتابة. تلك الرغبة التي تحرم الكاتب من النوم. تلك الرغبة التي لا سبيل للتخلص من إلحاحها سوى بالكتابة؛ سواء لاكتشاف ما، أو لوئدِه! إنه الوحي أو شيطان الكتابة. إنه الشيء الذي يتلبّس الكاتب ولا يهدأ إلا بعد نثره على الورق. هذا فقط ما كان يهم صادق بو حدب. وما يهم الروائي بشكل عام. هو لا يعرف ما سيحدث لأبطال رواياته. هو فقط يكتب. فالخيال موجود في عقول البشر. فقط الكتابة تجعله حقيقة!

 

 

 

اقتباسات


من أين للمكان أن يورِّث جماله لأهله، فلا يصيرون هُم في غيره؟


كيف تنكر الأماكن ساكنيها بعد موتهم، وتمنح نفسها للغرباء يدخلونها مُلّاكًا جُددًا؟

 

 

التقييم النهائي

 

على قدر ما تمنحنا الروايات أحاسيسًا رائعة، على قدر ما تصيبنا بأوجاعٍ عميقة. 

 

لهذا؛ فعندما تأتي اللحظة التي يتمنّاها كل قارئ رغم فراره منها. عندما ينتهي من قراءة رواية أدهشته وتوحّد بها. عندما تصيبه لعنتها فيصبح مُتشبعًا بالرواية وأحداثها  مُتلبّسًا بشخصياتها، حينها يدرك أنه لا يستطيع الخروج من سطوتها، ولا يُمكنه إخراجها من عقله وروحه! يحاول أن يقرأ نصًا آخر كي يُخفف من وقع قبضة الرواية عليه، رغم أنه -في الحقيقة- لا يرغب أن يحدث ذلك أبدًا. لكنه يُسلّم أخيرًا بأنه فقط الوقت هو ما يجعل التأثير يبهت تدريجيًا مثلما يبهت أي شيء في الحياة.

 

معالم أوطاننا تتغيّر مثلما يتغيّر كل شيء في عالمنا. أشياء كثيرة شهدنا نهايتها، أشياء كانت شهيدة نيّات الحداثة أو ربما الإهمال… وشيء في نفوس البشر! نتألم لهذا التغيّر ربما كون ذلك يعني تلاشي آثارنا وحقيقة وجودنا. نحن نتسرّب إلى كُتب التاريخ كشخصيات ثانوية تُبقي على زخم الماضي الذي يُسترجع للحظات في عقول الناس في بعض الروايات، أو في أناشيد الأعياد الوطنية. 

 

ربما سيأتي علينا زمن ليس ببعيد نتساءل فيه مثلما تساءل صادق في الرواية ”هل كان كل ما حدث في حياتنا قد حدث حقًا؟!“

 

 

روايات ”أسفار مدينة الطين“ تجربة عربية مختلفة. ربما ليست تجربة مُتفرّدة، لكنها مُستقلة ومُختلفة ومُميّزة. عالم مُتكامل بشخصياته وأماكنه وتاريخه وأساطيره، وإسقاطاته المُخفاة بعناية. وما زلت عند رأيي بأنها دُرّة جديدة تُثري أدب الأسطورة الشعبية الذي يُزيّن جِيد الأدب العربي.

 

 

 

تقييمي للرواية 5 نجوم ⭐️⭐️⭐️⭐️⭐️

مراجعة الجزء الأول - سِفْر العَباءَة

 مراجعة الجزء الثاني - سِفْر التَبَّة


 

   معيار التقييم:

  • نجمة = لم يعجبني
  • نجمتان = مقبول
  • 3 نجوم = أعجبني
  • 4 نجوم = أعجبني بشدة
  • 5 نجوم = استثنائي

 

أحمد فؤاد

26 تموز - يوليو 2026 

google-playkhamsatmostaqltradent