الجزء الأول من ” أسفار مدينة الطين“
مزيج بارع من الواقعية السحرية والرواية التاريخية والعمل الغرائبي والفانتازيا
ورطة
لو أنك تأمَّلت بعُمق أيها القارئ، لأدركت أن الأمر بُرمَّتِه ورطة! ورطة ورّطك فيها ذاك الكاتب الذي وقع في فخّ فِتنة إعادة الحياة لشغف الكتابة الذاوي فيه، حينما ألقى عليه الشايب تعويذته التي ليس في استطاعة كاتب يعشق الخيال أن يقاومها!
لم يخدع الشايب الكاتب صادق. تمامًا كما لم يخدعك الكاتب صادق. أنت وقعت في الفخّ مثلي. ومثل صادق بو حَدَب. تُرى في أي فخّ وقع الشايب إذن؟
أنّى لك أن تعرف جميع الأسرار إلا من طيور اللوهة! تابعها وتقصّ أماكنها. احترس من القطط الوديعة. وانتبه إلى من لا تجد له ظِلًا على الأرض!
ستعرف أيها القارئ. ستعرف جميع الأسرار. لكن لا تنسى أن المعرفة فِتنة. وأنت ضعيف مثلي أمام هكذا معرفة!
لا تقلق… ستعرف.
وحينها فقط… ستدرك أن المعرفة لعنة.
تتساءل عن الحقيقة!
ليست عندي، ولكن…
رُبما خَدَعَنا جميعًا كاتب أسفار كاتب الأسفار نفسه!
الكاتب المُشاكِس
لا يكفّ عن تجاهل نصائح الآخرين، ولا يكلّ عن العبث بنماذجهم المُعلّبة. ينأى عن نجاحات سهلة يكسب فيها رضا الكثير على حساب رضاه! وما الحياة سوى تجربة؟ وما التجربة سوى حرية الاختيار؟ وما الحُرّ إلا من اتّبع صوت شغفه ما دام إيمانه به مُطلقًا، حتى وإن لم يضمن له ذلك سوى قِلَّة ممن يُقدّرون احترامه لِذاته وإبداعها.
أُحجيات وقضايا في أعماله جلبت عليه الانتقادات، لكنها لم تثنه -لحًسن الحظ- عن صُنع المزيد منها. يضع فيها منه، ويضع منه فيها. فتتعقد رغم سهولتها، وتنبسط كل تعقيداتها لمن أراد!
سعود السنعوسي… الكاتب ذو الحِس الإنساني في كتاباته؛ سواء الروائية أو غير الروائية منها. بإبداعاتٍ متنوعة مختلفة؛ صنع حصيلته الأدبية في عالم الرواية. كان آخرها -ورُبما على رأسها- رواية ”أسفار مدينة الطين“.
أسلوب الرواية
اختار الكاتب سعود السنعوسي الشكل الغرائبي (الفانتازيا) لرسم أحداث الرواية. والحقيقة أن الرواية متعددة الطبقات.
الطبقة الأولى وهي التي تحكي عن شخصية البطل المُتخيَّلة وهي الكاتب صادق بو حَدَب. وهو مؤلف الأسفار ومخترع شخصياتها والمُتحكّم فيها. بينما الطبقة الثانية هي الرواية الحقيقية التي نغوص فيها ونعيش حكاياتها وتعقيداتها، مع وجود رابط ووعي لبعض الشخصيات بكاتبها المُسيطر على حياتها وعلى أحداث عالمها. لذا نجد بعض المناوشات من حين لآخر -بين مؤلِف الأسفار وبين الشخصيات في الطبقة الثانية- تُذكِّر القارئ بأن صادق هو خالق العالم الخيالي وشخصياته التخيّليّة.
باختصار هي قصة داخل قصة. لكن تبقى الطبقة الأولى أحداثها نادرة، وهي تتلخص في علاقة الشايب بالكاتب صادق بو حَدَب، وتنتهي بشخصية جديدة غامضة. ربما يشي ذلك بإضافة خط لقصة الطبقة الأولى لتزيد مساحتها، أو ربما تتداخل الطبقات والمستويات عند لحظة ما في قادم الأجزاء.
في أغلب الأحيان يُسيطر أسلوب العليم على الرواية ”خاصة في الطبقة الثانية“ مع تناوب سردي للشخصيات، وانتقالات للماضي بأسلوب الفلاش باك Flashback مع التلميح إلى نهايات مستقبلية. بينما يقتصر سرد الطبقة الأولى على أسلوب الراوي أو منظور الطرف الأول First-Party، والذي بالأساس عبارة عن مُذكّرات للبطل، مما يفتح احتمالات مفتوحة لمشاركة في الأحداث أو ربما لعنة ما ستصيبه من جرّاء أفعاله مع شخصياته التي صنعها!
الأماكن والأحداث
ينسج سعود السنعوسي حكايته بخيوط من التاريخ الحقيقي والجغرافية الأصيلة . فتتشعّب الحكايات بين دروب الأماكن الحقيقية على أرض الكويت، وعلى خلفية أحداث تاريخية سياسية كانت واقعًا منذ أكثر من مئة عام.
يصوّر الكاتب تفاصيل اجتماعية لا تُرى سوى بعين ذاك العصر دون نزعٍ من سياق الزمن. صراعات جَليّة وأخرى خفيّة، في تكرار واضح ومعروف لخطايا ابن آدم المُتكررة والمُستدامة عبر الزمن! كَفَّتا الخير والشرّ اللتان تتأرجحان بلا هوادة في محاولات حثيثة كي ترجح إحداها. تميل الكفّة مرات على عكس ما نرغب بسبب نزعة الضعف لدى البشر، بينما ترجح كفّة الخير في مرات حاسمة عندما يجتهد الإنسان -بِحَقٍ- في ذلك.
يدخلنا الكاتب إلى دهاليز الديرة القديمة فنعيش في حيّ المَطبَّة، ونطالع حيّ بهيتة، ونزور قهوة بوناشي. نتسلل إلى المستشفى الأمريكي، ونرحل إلى جزيرة فيلكا حيث المقام. ننتظر قُفال الغاصّة، وتؤلمنا معاناتهم التي لا تنتهي، بينما نتوتّر مع أجواء الحرب الوشيكة بالدِيرَة، ومحاولات أميرها لحمياتها والذود عنها.
![]() |
حقوق الصور: منتدى تاريخ الكويت Credit: Kuwait-history.net |
![]() |
حقوق الصور: منتدى تاريخ الكويت Credit: Kuwait-history.net |
![]() |
حقوق الصور: منتدى تاريخ الكويت Credit: Kuwait-history.net |
لتحميل الملف بصيغة PDF بالوضوح العالي - اضغط هُنا
الشخصيات
صادق بو حَدَب - كاتب الأسفار
على الرغم من أن مساحة شخصية صادق جاءت صغيرة جدًا في الكتاب، ناهيك عن أنه خارج أحداث الرواية الفعلية، إلا أنه وبسبب تلك المساحة المحدودة، وبسبب الغموض الذي يحيط بالشايب والقارئ الستيني (الذي ظهر في آخر الكتاب)- تسبب ذلك في إضافة الكثير من التشويق و الإثارة، بالإضافة إلى فتح المجال للعديد من التكهّنات التي من الممكن أن يذهب إليها الكاتب في الأجزاء التالية. ربما انساق صادق - بقبول كتابته للرواية- إلى فخّ أو مصير لم يتوقعه.
شخصيات أخرى
شخصيات مدينة الطين منسوجة ببراعة وبتمعّن. ليس هناك أبطالًا أو شخصيات تستأثر بالأحداث. وإنما تغزل كل حكاية بقية الحكايات لتُكمل الصورة في ذهن القارئ على مهل. هناك حدث أساسي (أو فلنقل أنها مؤامرة ما) تدور حوله/ها الرواية. ومن خلال أصحاب هذا الحدث تتفرعّ الأحداث لتلقي الضوء على بقية ما يجري في دِيرة الكويت. إن جميع الشخصيات مترابطة بشكل أو بآخر. لا أحد مجهول عن أحد بُحكم صِغر المُجتمع آنذاك. لكن في نفس الوقت تجد تأثير كل شخصية في بقيّة الشخصيات حاضرًا بشكل واضح. إما بشكل مباشر أو غير مباشر، وسواء كان ذلك التأثير فوريًا أو مُستقبليًا. ربما هو أثر الفراشة.
رطوبة الذِكرى
مع تأمّل المشاهد في الرواية يجد القارئ نفسه أمام لوحة حيّة للكويت قديمًا مليئة بالتفاصيل. أطياف سُكانها التي تتباين ما بين تُجّار وغاصة وحُكّام، ومخاطر تُحدّق من كل صوب مُشبّعة بحلم السيطرة والإخضاع، مع اختلاف أسماء الأهداف المُسبَّبة! ربما كان دينيًا أو اجتماعيًا أو طمعًا في سِيف مُنفتح على العالم أو في لؤلؤ في عُمق البحر المُعانق لهذه الأرض الصحراوية.
حياة الغاصّة الصعبة حاضرة، وإن كانت بتصوير أقل بؤسًا بسبب الطابع الفانتازي الخيالي، أو ربما بسبب التركيز على المشكلات الاجتماعية القصصية المثيرة. كان وقع هذا خفيفًا على روح القصة وبالتأكيد على القارئ أيضًا.
وأودّ أن أنوّه أن هناك تكاملًا بديعًا للصورة الكاملة للحياة الاجتماعية في تلك الحقبة، لحياة الغاصة وحياة أهل الكويت -داخل حدود السور حصرًا- آنذاك، عند دمج تصويرها كما جاء هذه الرواية؛ رواية ”أسفار مدينة الطين“، مع تصوير رواية ”سَنة القِطط السُمان“ للكاتب الكويتي عبد الوهّاب الحَمَّادي - اقرأ مراجعتي للرواية من هنا. حيث برع الأخير في تصوير تلك الحياة، والتي جاءت بشكل أكثر قتامة وأكثر إمعانًا في توثيق صعوبة حياة الغاصة الاجتماعية في ذاك الوقت.
كما أسلفت؛ ليس هناك شخصية استثنائية في الرواية، سواء بالاستئثار بالأحداث أو في تصويرها وكتابتها. جميع الشخصيات تقريبًا لها البُعد النفسي والإنساني لكل أفعاله. تعقيدات متباينة بين البسيط والمتوسط في نفس كل شخصية. وفي رأيي أن الكاتب كان مُحقًا في عدم الخوض في صُنع شخصيات مُركّبة في هذا الجو الخيالي الممزوج بالواقع، لأن من شأن هذا أن يزيد من حجم العمل، بالإضافة إلى زيادة مستوى صعوبته على القُرّاء غير المُهتمين بمثل هذه الأعمال.
تجربتي الشخصية كانت ماتعة بحق. اندمجت مع الرواية وأحداثها وشخصياتها بشكل لم أتوقعه. حتى أنني لم أجد في الشخصيات أو الأحداث -حتى الآن- ضِعفًا أو سلبية. ربما كان ذهني حاضرًا -صُدفة- عند قراءتي للرواية، لكنني حقًا شعرت بأنني صرت جُزءًا منها أو أنني أستطيع الاطلاع -معيّة كاتب الأسفار- على ذلك العالَم العجيب الماتع. أتنقّل مع أُم حَدَب وأتوجّس قشعريرة منها ومن أم صنقور. أُجالس سليمان وسعدون وخليفوه وعاموس، أشفق عليهم حينًا وألومهم حينًا. أنهل من حكايات سند بن هولين والنوخذا بن حامد وعزّوز الهذّار، وأطالع ما يحدث خلف مبنى الزجاج أو على شاطئ الوطيّة مع إلينور ومبروكة والحبيب المجهول. وأرى كفّة فضّة الهزيلة أمام ثِقل الشرّ مع أم غايب وشريفة.
لوحات
في كل لوحة من لوحات سعود التي يرسمها بالكلمات؛ تحوّلها الفنّانة مشاعل الفيصل إلى أيقونات مُميزة مختلفة بأسلوبها الغرائبي.
لوحات تُذكِّرنا بعضها بشيء من عوالم الملاحم الإغريقية، مع الحفاظ على خصوصية عالم الكويت الصغير، وأدواته المُميّزة. لوحات مثل اجتماع ”الصاچّات" على البحر. أو اجتماع النساء في حضرة أم حَدَب. أو عند أُم صنقور عند مقام الخِضْر. لوحة مثل البَحَّارة السِت الذين ينشدون ”هو لو هيِهْ“ دون أن تلامسهم مياه البحر. أو لوحة طقوس أقامتها أُم حَدَب باستخدام القط. إنها لوحات مُميزة مثيرة تُعزّز الخيال وتشهد على تفرّد الرواية بجماليات ثريّة أتمّت تكامل رواية مُستقلّة ومختلفة.
لم يكتفِ سعود بتعزيز الجانب الفانتازي أو الأسطوري، بسرد قصص خيالية عنه، وإنما قام بخلق أساطير تتماهى مع خصائص البيئة، ليُكوّن منها أساسًا يُبنى عليه الحدث، وليَخلِق منها سِياقًا تاريخيًا -روائيًا- تدفع الشخصيات لاتخاذ قراراتها المُختلفة. بل وأسّس لتلك الأساطير مَلاحِقًا ومَراجِعًا في آخر الكتاب وفي أوسطه وحواشيه. وهو أمر شديد الأهمية لُمحبي أدب الفانتازيا (الأسطوري) والذي يتميّز بإرساء قواعد وعوالم أسطورية كخلفية لعالم الرواية، ذلك على غرار الملاحم الأسطورية العالمية الشهيرة (في فكرة خلق وإرساء قواعد كجذور وعُمق للحبكة والقصة) مثل سلسلة أغنية الجليد والنار (صراع العروش) أو مملكة التنانين أو سلسلة سيد الخواتم أو حتى سلسلة هاري بوتر.
خريطة ذهنية لشخصيات الرواية
قمت بإنشاء خريطة ذهنية لأهم شخصيات الرواية مع الربط بينهم: 👇🏼
لتحميل الملف بصيغة PDF بالوضوح العالي - اضغط هُنا
ليس دفاعًا عن الرواية!
حذّرني البعض عندما عزمت على قراءة الرواية بأن أكون مُستعدًا لصعوبة الرواية، تحفيزًا لي بشحذ تركيزي عند قراءتها. أقلقني التحذير لكنه لم يثنني عن قرار القراءة. في الحقيقة أنني كنت قد أجّلت قراءة الرواية لأكثر من عام كي أقرأها بتركيز يستحقه كاتبها -سعود السنعوسي- والذي له مَعَزَّة أدبية وإنسانية خاصة في قلبي.
ومع التقدّم في القراءة وبعد إرساء قواعد العالم الفانتازي الممزوج بالتاريخ الحقيقي، بما فيه من شخصيات وأماكن وأحداث. مَخَرَت سفينتي عباب الرواية، وتكيَّفَت مع تحديّاتها التي أَبَت أن تكون ساكنة خاضعة لأساليب مُتواترة أو لألفاظ مألوفة.
لا أقول أن رحلة القراءة كانت بسيطة، لكن هذا لا يعني صعوبتها. رأيت في الأسلوب الذي اتّبعه الكاتب في سرد الرواية، وفي الألفاظ والكلمات التي استخدمها، محاولة جديّة لإشراك القارئ في عملية بناء لعالم الرواية الخيالي. عالم سيُرسِّخَه القارئ في عقله أثناء قراءته.
وبعد أن انتهيت من القراءة، عاينت بعض المراجعات عل أحد المواقع، ورأيت تعليقات على شاكلة:
”الرواية مُعقدة“
”الرواية مُملّة“
”حشو لغوي“
”منعتني الهوامش الطويلة من الاسترسال في القراءة“
فكّرت مليًّا في ما كُتب، وخلصت إلى أنه من الممكن أن يكون ذلك الشعور الذي شعر به أولئك القُراء ناتجًا عن التأثير المُتصاعد للتبسيط المُبالَغ فيه للمحتوى هذه الأيام، ولانتشار مُتلازمة الفيديوهات القصيرة، بالإضافة إلى أثر تستطيح اللغة في الفترة الأخيرة.
ولا أُبرئ نفسي من هذا الداء -ضعف التركيز عند القراءة الطويلة- والذي عانيت منه في مؤخرًا، حيث أجد صعوبة - عند بداية القراءة- في الاندماج في قراءة أي مقال أو كتاب أو رواية مهما كان مستوى كتابتها. ربما يكون ذلك بسبب أثر نقص الدوبامين مثلما يقولون.
أما بخصوص التعقيد على مستوى الحبكة، فأنا لم أجد أي نوع من التعقيد في الحبكة. نعم رُبما يحتاج القارئ إلى العودة -أثناء القراءة- إلى بعض الأسماء أو ربما يضطر إلى كتابة ملاحظات عن كل شخصية بشكل مقتضب لاستعادة بعض النقاط أثناء التقدّم في الرواية. وهذا أمر ليس جديدًا على الروايات، خاصة التي ترسم عالَمًا مُتشعّبًا ولا يزال متوسّعًا باضطراد في جُزئيه القادمين. سواء كان ذلك في الروايات الملحمية الطويلة، أو حتى في روايات حديثة كروايات ماركيز على سبيل المثال أو الروايات الروسية والتي هي أكبر دليل على ذلك.
هنا من الممكن القول أن القارئ - وهذا حق أصيل له- لا تناسبه جميع أشكال الكتابة في كل الأوقات. تتنوّع احتياجات الإنسان للقراءة حسب حالته النفسية والصحية. في بعض الأوقات يرغب في قراءة بعض الكُتب الخفيفة في الصباح أو أثناء فترات الانتظار، أو ربما يرغب في قراءة الأمور المُعقدة في الصباح بدلًا من المساء الذي يكون فيه ذهنه مكدودًا حينها. لهذا فمن الطبيعي أن تكون هناك بعض الروايات التي يُمكن أن يقضي القارئ معها وقتًا لطيفًا خفيفًا، والبعض الآخر يحتاج إلى تركيز أو إلى تماهي مع النصّ.
أما بخصوص التعقيد اللغوي. فرأيي أن الحصيلة اللغوية بالعادة تُكتَسَب من التَحدّيَات اللغوية أثناء القراءة. وبخصوص الألفاظ التي اسُتخدمت في الرواية فكثير منها ناسب الفترة الزمنية، ومنها ما ناسب الشكل الفانتازي المُستخدم في عالم الرواية.
ولا أنكر أنني عُدت إلى المعجم أو محُركات البحث لمعرفة العديد من المعاني التي نسيت مُرادف بعضها، أو كنت أجهل معاني بعضها الآخر. بحثت مرات عديدة عن المعاني وعن سياقها. وأيضًا بحثت عن الأماكن الأثرية والحوادث التاريخية، ومحاولة تمييز الحقائق عن الخيال. وهذا أضاف جمالًا وحماسًا لي، خاصة وأنا ممن يحبون تخيّل الأحداث والعيش فيها. لهذا كان مُهمًا لي جدًا أن أبحث وأعرف عن الأماكن والأحداث المذكورة لإكمال العالم الذي أقرأ عنه، وأبنيه -مع الكاتب- في خيالي. وفي ظنّي أن هذا الأمر -البحث المُستمر عن اللغة أو الأماكن- سيَقلّ تدريجيًا مع الجزئين القادمين.
بخصوص الهوامش الطويلة. فالحقيقة أنني من المُغرمين بالهوامش والتفاصيل وتقصّي المعلومات. لهذا فقد كان الأمر مُمتعًا لي، وأتفهم تمامًا أن البعض قد لا ينسبهم هذا الأمر. لكن الهوامش تضيف بُعدًا وعُمقًا لما نقرأه. بل وقد تُغيّر طريقة رؤيتنا للأحداث وإدراكها. وطريقتي دائمًا هي الاطلاع على الهامش ثم العودة وإعادة قراءة الجزء مرة أخرى بعين جديدمُلمّة بمعرفة مُكتسَبَة للتو.
التقييم النهائي
رواية ”سِفر العباءة“ تجربة عربية مختلفة. ربما ليست تجربة مُتَفَرِّدَة، لكنها تجربة مُستَقِلّة ومُختَلِفَة ومُمَيَّزة. عالم مُتكامل -على الرغم من محدوديّته- بشخصياته وأماكنه وتاريخه وأساطيره، وإسقاطاته المُخفاة بعناية. من المُحتمل ألا يكون دخول القارئ إلى بداية الرواية (الطبقة الثانية) يسيرًا، لكن بمجرد أن يدخل القارئ إلى ذلك العالم الماتع، فمن الصعب عليه الخروج منه.
الرواية تُعتَبر من أدب الأساطير الشعبية الخيالية، والتي عجّ بها -بكل تنويعاتها- تراثنا العربي. وأرى أن الرواية "أسفار مدينة الطين" -وآمل أن تكون أجزاءها بنفس المستوى- هي دُرّة جديدة تُثري أدب الأسطورة الشعبية الذي يُزيّن جِيد الأدب العربي.
- نجمة = لم يعجبني
- نجمتان = مقبول
- 3 نجوم = أعجبني
- 4 نجوم = أعجبني بشدة
- 5 نجوم = استثنائي















