random
أخبار ساخنة

كَنَـصْلِ سِكّـينٍ حـاد

     


     




عَن رُقْيّ أدبيّ مُنْحَسِر
     

منذ بضعة أيام قام كاتب -له جماهيرية كبيرة على أحد مواقع التواصل الاجتماعي- بنشر نص سؤال سأله أحد قُرّائه على بريده الخاص.

 

كان السؤال "مرحبًا أستاذ... رأيت منشورك عن الفلسفة الهيلونية، فهل يُمكنك أن تشرح لي مُختصرًا عن الفلسفة الهيلونية حيث أنني لم أسمع عنها من قبل؟" (القارئ يقصد الفلسفة الهيلينية)

 

أرفق الكاتب هذا السؤال الخاص -دون الإشارة إلى اسم القارئ- مع تعليق ساخر يقول فيه: "أخبروني كيف يُمكنني الردّ على هذا القارئ المُتمرّس؟ هل تتخيّلون مدى انحدار الوعيّ لدى قُرّاء هذه الأيام؟!"

 

صدمني تعليق الكاتب... أعدت قراءته ثلاث مرات علّني أكون قد أخطأت في فهمه، لكن الأمر كان واضحًا؛ لقد كان غرضه -مع الأسف- إقامة احتفال تهكّمي مُقدّس قُربانه القارئ المسكين!

 

أسرعتُ لمُطالعة التعليقات الكثيرة عسى أن أجد فيها اعتراضًا أو توجيهًا، لكن للأسف صُعِقتُ بأن أغلب تعليقات المُتابعين (و هُم كُتّاب ومُثَقّفون مشهورون بالمناسبة) جاءت طفولية خرقاء تهليلًا لهذا الاحتفال المُهين، وإمعانًا في التحقير من الخطأ الذي وقع فيه القارئ فكشف عن جهله في جزئية واحدة فقط من آلاف الجزئيات التي تصنع المعرفة.

   



  

جزعت وأنا أحاول أن أتفهّم موقف الكاتب؛ لماذا لم يسلك الطريق الأسهل والأكثر رُقيًا بما يُناسب رسالته ككاتب؟ أن يوضّح للقارئ خطأه بلطف (والذي قد يكون مطبعيًا بالمناسبة)، وأن يُساعده بتوضيح المعنى الذي يجهله. أن يرشده بنور علمه وثقافته إلى الكُتب التي تهديه إلى مدخل "الحضارة والفلسفة الهيلينية" كما طلب منه.

 

تعاطفتُ مع ذلك القارئ الذي قرأ حتمًا كل السخرية التي نالت منه على صفحة الكاتب، وخشيت أن تكون التعليقات المُسيئة -التي لا بُد أنها قد مرّت عليه كنصل سكين حاد- قد قتلت فيه الرغبة في الاطلاع، أو وأدت فيه أي نيّة للتساؤل في المستقبل.

 

إن استغلال ثقة الناس، والسخرية من حاجتهم للتعلّم، من أجل الظهور بصورة الكاتب العلّامة أمام جمع من الناس، لهو فعل مُتدنٍ لا يليق بكاتب ولا بمُثَقّف. إن مثل هذا الفعل إنما يعيب المُثَقّف المُتبجّح بعلمه، وليس طالب العلم المُقِرّ بجهله، الطامح إلى المعرفة. 

 

إن مثل هذه الأفعال تُكرّس على الانعزال، وتُرسّخ الخوف من التساؤل، وتُمعن في ترهيب الناس من التصريح بآرائهم بِحُريّة، وتتمادى في تثبيط عزائمهم وقتل طموحاتهم.

     


وكُلّما ازددتُ عِلْمًا... زادني عِلْمًا بِجَهلي
الإمام الشافعي




    

        

   

للأسف هُناك بعض الكُتّاب مِمَّن لا يرتقون إلى مَنزِلة المُثَقّفين والأُدباء، إنما هُم فقط يملكون مَلَكَة الكِتابة دون آدابها. لمزيد من الاطلاع على هذه القضية يُرجى قراءة مقالي "الكاتب الوغد" - رابط المقال.


  

الكاتب الراقي هو من يحاول أن ينشر العلم، وأن يستقي الأفكار المُختلفة من قراءاته ومُطالعاته، يستوعبها ثم يربطها ببعضها البعض، فينسج منها ثراءً ثقافيًا يُقدّمه للقُرّاء -كمحاولة- كي يجدوا طريقًا جديدًا أو مُختصرًا للمعرفة. 

 

إن طريقنا للإبداع وللسموّ المعرفي، لا بُد أن يكون عبر تشجيع الإنسان على السؤال، وتحريضه على البحث، وحثّه على مقاومة خجله من أجل التعبير عن أفكاره. هكذا فقط يُمكننا خلق مُجتمعًا واعيًا مُثَقّفًا، يتغاضى عن الهفوات، ويتدارك الأخطاء، ويتقبّل الرأي الآخر، فيطوّر قدرته على الاستيعاب من خلال تلاقح الأفكار المُتنوّعة وتكاملها.

 

مُجتمعٌ يؤمن بأن الشُجاع هو من يعترف بجهله، وليس من يختال بعِلْمه.


    
   

أحمد فؤاد
5 تموز يوليو 2021
author-img
أحمد فؤاد

تعليقات

تعليقان (2)
إرسال تعليق
  • M.Nasr photo
    M.Nasr6/7/21 10:40 ص

    كالعادة اعجبني مقالك جدا ..
    و اشكرك بشده على اختيار هذا الموضوع و إثارة هذه النقطه تحديدا.. للاسف من الواضح أن كون المرء مثقفا أو كاتبا لا يمنعه من سوء الخلق أو الانصياع لعقد نفسية تجعلة يرفع من شأنه عن طريق الحط من شأن الآخرين.
    فضلا عن الابتعاد عن الدين أو الآداب العامة التي من شأنها تهذيب النفس و الابتعاد عن ما يسبب الأذى أو الحرج أو السخرية من الآخرين.

    حذف التعليق
    • Ahmad Fouad photo
      Ahmad Fouad6/7/21 3:11 م

      أشكركِ يا مُنى على تفاعلكِ وتعليقكِ المُهم.

      للأسف العصر الذي نعيش فيه بتقنياته وسهولة الوصول إلى عدد كبير من الناس، شجّع البعض على تسفيه رأي الآخرين كي يصعد على أكتافهم ظانًا أنه هكذا يسمو بنفسه وهو إلى الخِسّة أقرب.

      آفة تعيش بيننا وندعو الله أن يُخلّصنا منها برحمته.

      خالص الشُكر لكِ
      أحمد

      حذف التعليق
    google-playkhamsatmostaqltradent