U3F1ZWV6ZTI4MTk2MTU0NzE5X0FjdGl2YXRpb24zMTk0MjM1MzE2MzE=
random
أخبار ساخنة

سـأُلوّن العالم بلُغتي


   
   

أطلب دومًا من ابنتي القراءة باللغة العربية لمدة 15 دقيقة في اليوم كحد أدنى، مع فتح المجال لها لاختيار ما تقرأه.
   
جاءت ذات يوم وسألتني: لماذا تطلب مني دائمًا أن أقرأ بالعربية؟


أنا الوحيدة التي تقرأ قصصًا بالعربية في صفّي، ولا أجد من أشاركه ما أقرأه. أخبرتني أن أصدقاءها العرب يسخرون من أن هذه القصص بالأساس مترجمة من كتب أجنبية. فلِمَ نقرأ المترجَم؟ وأن نجاح القصص المُترجمة لهو دليل واضح على جودة الأعمال الأجنبية، والتي ليس لها مثيلًا لدينا بسبب استخدامنا لغة قديمة (اللغة العربية) لا تصلح لزمننا الحديث!
   
استفزني هذا الرأي، والحقيقة أن جزءا كبيرًا من انفعالي هذا كان بسبب صحة بعض مما قيل، فالقصص والروايات الخاصة بأدب الأطفال أو اليافعين المكتوبة بأقلام عربية قليلة جدًا في وطننا العربي، وإن وُجِدَت فإما أنها كُتِبَت بمثالية ساذجة أو بأسلوب التلقين المُنفّر للأطفال في هذا السن.
   
أخبرتني أيضًا أن العديد من الأهالي لا يُشجعون أطفالهم على القراءة. فلماذا هي فقط من كُتِبَ عليها ذلك؟
   
فكّرت في كلماتها وأدركت أنها في صراع ما بين قِيَم أحاول ترسيخها فيها، وبين محاولتها للاندماج في مجتمعها الصغير (أصدقائها)، وخلصت إلى أنه ليس من العدل أن نحاكم أطفالنا على شيء نحن مسؤولين عنه ولو جزئيًا.
  
نطلب منهم أن يحبوا لغة نحن ننبذها كل يوم، نطلب منهم أن يقرأوا وهم لا يرون كتابًا في أيدينا، نطلب منهم أن يندمجوا في الكتاب دون أن نشاركهم هذا الاندماج ونشعرهم بسعادتنا بذلك، ونسينا أنهم يستمدون حماسهم من تقديرنا لهم.
  
لهذا فقد اتخذت قرارًا فوريًا منذ ذلك اليوم بأن أكون قدوة لابنتي، وأن أثبت لها بشكل عملي أن المشكلة ليست في اللغة نفسها بل فينا نحن. 
   
   


   
  
كانت المشكلة الأولى التي واجهتها والتي كتبت عنها في مقالي السابق (أبٌ قديمٌ جدًا)؛ هي إيجاد نصوص ممتعة تناسب سنّها، وتمنحها حصيلة لغوية جيّدة، وتُطلعها على بعض الأساليب البلاغية أو الصور الجمالية البسيطة.
    
وكنت قد وجدت بالفعل بعض القصص المُترجمة إلى العربية، لكنني كنت أرى أنه مهما كانت تلك القصص أو الروايات ممتعة ورائعة وذات ترجمة ممتازة، تظل حاجتنا لنصوص أدبية تحمل هويتنا ومُعتقداتنا حاجة أساسية لا غِنى عنها، فهي بوصلتنا التي نستطيع بها تحديد اتجاهاتنا والعودة إلى أنفسنا مهما طالت وتشعّبت بنا طرق السفر، ومهما أبحرنا في ثقافات أماكن مختلفة حول العالم.
    
وبدا لي أن سؤالها البريء "لماذا لا توجد قصصًا جميلة عصرية بأقلام عربية؟" هو افتقاد لمعنى الهويّة؛ ورغبة دفينة – قد لا تستطيع التعبير عنها لصغر سنها- للإنتماء لا إلى عالم من ثقافات جميلة متنوعة لا تجد نفسها فيه وإن كان ماتعًا، بل إلى عالم تجد فيه تراثها وعاداتها وبلادها ودينها ومجتمعها العربي المشترك ومعانٍ تستطيع معها أن تفخر بأنها عربيّة مُعتدّة بنفسها، وبكونها -في ذات الوقت- مُطّلعة على ثقافات العالم المختلفة وتاريخه ولغاته.
    
كان القرار الذي اتخذته هو كتابة رواية مغامرات لليافعين. لم أكن قد كتبت لهذه الفئة العُمرية من قبل، وفي الحقيقة كنت خائفًا جدًا في الخوض في هذا المجال، لكنني كرهت انتظاري التغيير على أيدي الآخرين، أو الاكتفاء بالانتقاد والتحسّر على عدم وجود قصصًا لليافعين مناسبة لهم.
   
جاءتني الفكرة عندما تذكرت مقالًا قرأته منذ وقت طويل جدًا -وبقي أثره في ذاكرتي- للكاتب المصري نبيل فاروق عندما بدأ في كتابة سلسلة رجل المستحيل، ذكر في مقاله أنه قد قرر حينها أن يصنع تغييرًا بنفسه، وقام بتأليف سلسلة عربية من قصص الجاسوسية والحركة لبطل عربي مُسلم اسمه أدهم صبري، ضابط مخابرات، بطل بارع جدًا، مُتقن للغات، مُحب للوطن، لديه مرجعيات أخلاقية، وذلك بدلًا من ارتباط الشباب في ذاك الوقت بمغامرات العميل السري البريطاني 007 جيمس بوند. بالتأكيد كان مُعجبًا بقصص جيمس بوند، ولكنه كان ينتقدها بسبب الأفكار المتضمنة في تلك القصص والتي لا تناسب عاداتنا وتقاليدنا، خاصة صورة البطل زير النساء مُحب الخمر.
     
هكذا قررت ألا أنتظر التغيير وأن أصنعه بنفسي.
    
    
  
   
    
بدأت مشروع كتابة رواية لليافعين بعنوان "مُهمّة إنقاذ مُستحيلة" للفئة العمرية من 10 إلى 14، تنتمي لعالم الخيال والمغامرات لمجموعة من الأصدقاء يحاولون إنقاذ صديقهم من ورطة غريبة وقع فيها. عالم جمعت فيه ألعاب الفيديو وأفكار عن أهمية القراءة والعلاقة بين الأهل والأطفال وعن الدراسة والمدرسة وقضايا أخرى وذلك بشكل غير مباشر وفي إطار مشوّق مثير مُسلّي.
    
قمت بالاتفاق مع عدد من أولياء الأمور المُقرّبين من أصدقاء و أقارب، وعرضت عليهم الرواية كي يقرأها أطفالهم. كنت أعرف أن أطفالهم لا يحبون القراءة باللغة العربية وبأنهم مُغرقين في القصص الإنجليزية. لكنني كنت قد أخذت الأمر تحديًا شخصيًا لي.
   
عرضت الرواية بعد أن قسّمتها على أربعة أجزاء، على 8 أطفال منهم ابنتي، تتراوح أعمارهم من 10 إلى 14 عام. بالإضافة إلى 4 أشخاص في عمر 35.
  
ماذا كانت النتيجة؟
      
نجاحٌ لم أتوقعه... أنا لا أشير إلى جودة المحتوى الذي كتبته، ولا أقصد الترويج له، وإنما قصدت نجاح التجربة في أن تجعل الأطفال يقرأون في حماس ويتصلون بي عقب كل جزء للسؤال عن الجزء التالي. تناقشت مع بعض من هؤلاء الأطفال من قبل قراءتهم للرواية، بعضهم فعليًا لا يقرأ بالعربية بالأساس، ولديه فكرة سلبية للغاية عن اللغة، وبعضهم الآخر ذوي مستوى ضعيف في العربية بسبب قلة القراءة العربية بشكل عام.
   
لكن المُفاجأة أن الجميع قد قرأها بلا استثناء، بلا ملل... عرفت من أولياء الأمور أن هناك تحسّن ملحوظ في مستوى القراءة مع كل قصة، كما شكرني بعضهم أنهم تفاجئوا من اندماج أطفالهم في القصة رغم أنها بالعربية.
   
أما ابنتي فكان تأثير هذه الرواية عليها رائعًا، فهي بالأساس لم تصدق أنني من كتبها، منحها ذلك دفعة معنوية بالطبع، فأصبحت متحمسة جدًا لها، وأعجبتها جدًا حتى أن الأمر انقلب عليّ بشكل سلبي، فكانت كلما رأتني أشاهد فيها التلفاز عَرضًا؛ تطلب مني أن أكتب قصة جديدة بدلًا من أن أُضيّع وقتي فيما لا يفيد! 😊
   
بلغ حماسها أن أخبرت مدرس اللغة العربية بالقصة، وقابلني الرجل في أحد الأيام وطلب مني نسخة له 😊
   
    
خلال العام الماضي أنشأت مدونة أكتب فيها مقالات متنوعة، وأنشأت صفحة على منصة فيسبوك تخطى مُشتركيها 30 ألف مشترك، وأنشأت قناة على منصة يوتيوب لتقديم بعض المراجعات الصوتية للكتب، وأخيرًا أنشأت موقعًا إلكترونيًا كمساهمة مني في إثراء المحتوى العربي على شبكة الإنترنت. هذا بالإضافة إلى رواية اليافعين التي انتهيت منها مؤخرًا.
   



   
شاركت ابنتي كل هذه الإنجازات، لتشعر بأن كل ما أخبرها به عن أهميّة اللغة والهويّة له واقع ملموس في حياتنا. أيضًا... بدأت أقرأ في وجودها كي تشاهد الكتاب أو جهاز القراءة الإلكتروني في يدي بشكل دائم، كما بدأت في مناقشتها للكتب التي تقرأها فنضحك سويًا ونتجادل معًا.
    
أخبرتها بأنني قد وجدت مُجتمعًا عظيمًا على الانترنت وخاصة على منصة تويتر يتكوّن من شباب وأطفال وآباء وأمهات. نماذج رائعة تحب القراءة واللغة العربية كهوية لها، فأحطت نفسي بهم مُتابعًا، وأطلعتها على تلك النماذج المُشرّفة كي تصدّق وجودهم.
    
كان أثر كل ما سبق عليها هائلًا، ورأيت أنها قد بدأت تفهم أن لغتنا العربية ليست لغة ميّتة، وبأن هذه اللغة تستطيع –إن قُدّمت بأسلوب مُمتع- أن تجذب الجميع للاهتمام بها.
   
منذ يومين تم تكريم ابنتي كنجمة القراءة الجهرية باللغة العربية لشهر كانون الثاني يناير 2020، وذلك عن الصف السادس بأكلمه، ووسط زملائها العرب الذين يسخرون من اللغة العربية، والذين قد لا يبالون بهذا التكريم بالأساس، مما كان يُسبب لها الكثير من التشويش عمّا أحاول ترسيخه في عقلها.
   
قد أكون مُبتهجًا بهذا النجاح الصغير، وقد أكون مُمتنًا لمُدرّس اللغة العربية في فصلها.
   
لكن اعتزازي الأكبر لم يكن سوى لجملة قالتها ابنتي حينما سألتها: "بماذا تشعرين بعد هذا التكريم؟"
  
قالت: " أنا فخورة جدًا بنفسي."

حينها فقط لم يعد العالم يتسّع لسعادتي.
   
   
أحمد فؤاد
6 شباط فبراير 2020

تعديل المشاركة
author-img

أحمد فؤاد

تعليقات
    تعليق واحد
    إرسال تعليق
    • Linda photo
      Linda2/08/2020 1:04 م

      إحساس رائع عندما تحاول جاهدا ترسيخ فكر معين أو توجه معين في حياة طفل خاصة في هذا السن وتجد أن كل هذه الجهود أتت ثمارها
      هنيئا لطفلتك المتميزة والتي بإذن الله ستصل إلى مراتب أعلى بكثير مما كانت تتخيل وتطمح ولها أن تكون فخورة بنفسها وبواها الذي وضعها على بداية الدرب

      إرسال تعليقحذف التعليق
      الاسمبريد إلكترونيرسالة