لطالما تساءلت عن السبب الحقيقي الذي يُشعر الإنسان بالرهبة وربما بالرعب من الخرف. وخلصت إلى أن خوف الإنسان من الخرف يرجع في المقام الأول إلى الشعور بالتلاشي.
إننا نخشى من فقدان ذكرياتنا. ذكرياتنا التي هي دليلنا الوحيد على وجودنا. حياتنا. مشاعرنا. صداقاتنا. جنوننا. رغباتنا. إننا في حقيقة الأمر نتاج مجموعة من التفاعلات التي نقوم بها في رحلة حياتنا، نوثّقها بذكرياتنا أو ذكريات المُحيطين بنا. ومع مرور الوقت ومع اختفاء الناس الذي صاحبونا في رحلتنا في هذه الدنيا. وفي لحظة ما من العُمر، تبدأ تلك الذكريات في التلاشي التدريجي. تتناقص القدرة على التمييز بين ما حدث وما نتخيّل أنه قد حدث. ربما لا ننتبه إلى التآكل التدريجي الذي يُفصح عن وجوده بعد أن لا تكون هناك فرصة لاسترداد ما سُلب من عقولنا. لكن من حولنا هم من سيتنبهون. سنلاحظ اندهاشهم في البداية. ثم مع التكرار نقرأ روعهم. فنشعر أن هناك أمر ما ليس صحيحًا. ربما نتساءل: لماذا يحاولون الكذب علينا وتلفيق ذكريات لم تحدث في الواقع. لكن اليقين الذي عاش داخلنا طوال سنوات عمرنا يذوب مانعًا إيانا من التمسّك به. إنه يتلاشى ولا يبقى منه سوى ظنون. تُرى أعشنا سنوات في هذه الدنيا أم أنها كانت أضغاث أحلام؟!
لكننا سنقاوم. ولن نصدّق سوى أنفسنا. لأن أنفسنا هي ذكرياتنا، وذكرياتنا هي بصماتنا في هذا الوجود. بدون ذكرياتنا. نحن لا شيء! مجرد أشباح جوفاء.

Photo by Laura Fuhrman on Unsplash
قصص الكتاب
هذا الكتاب يحتوي على أربعة عشر 14 قصة تدور عن مرض الخرف. الجميل فيه هذه القصص هي تنوعها. فهي لم تأتِ بالشكل المعروف عن الخرف. تنوعت زوايا السرد في كل قصة، لكن المميّز أن بعض القصص كان تركيزها على التفاعل بين شخصية المريض/ المريضة، وبين الأشخاص الذين يعيشيون معه/ معها، وأثر ذلك على حياتهم. وكيفية تقبّلهم للأمر.
مع كل قصة نُصاحب شخصيات متنوعة. أبناء يتعاملون بشكل جيد مع آبائهم. آباء أخطأوا في حق أبنائهم. قرارات يتخذها الآباء لا يدركها الأطفال سوى بعد مرور زمن طويل. نشعر بالتعاطف مع بعض الشخصيات. وربما هناك شخصيات لا تدعو للتعاطف. ربما نشعر مع شخصيات أخرى بالغضب. لكن الأهم أننا سنتفهم أهمية الدعم المطلوب من أجل هؤلاء جميعًا.
من أجمل القصص التي أعجبتني: النغمة الآسرة - الغرباء الثلاثة - ماذا تفعلين يا حمقاء - موجة حر - لوحة إرشادية - الدفن حيًا - ضجيج يشتت الانتباه - أغنية ”في طريقي إلى البيت“.
وجدتُ أيضًا قصصًا مختلفة ومثيرة للاهتمام أعجبتني جدًا، لكن ربما هي ليست مناسبة للجميع لغرابة طريقة كتابتها: محبو التاريخ يهتمون بفهم الماضي - سيداتنا العزيزات يفقننا عددًا- بوابة من عالم آخر.
القصص في الموجودة في هذا الكتاب اُختيرت من مئة قصة، والتي كانت من ضمن مشروع بحثي تابع لمجلس أبحاث الفنون والعلوم الإنسانية في المملكة المتحدة -رابط الموقع الرسمي-والمخصص لاستكشاف نوع معين من الروايات المعاصرة يصوّر عقول الشخصيات المُصابة بالخرف. من أجل تقديم تجربة مُحاكاة للقراء كي تُساعدهم لفهم الخرف بشكل أعمق لمزيد من الوعي المجتمعي والتفاعل الإيجابي في تفاعلاتنا اليومية تجاه المصابين بالخرف.
ملحوظة:
من أجل قراءة ماتعة، يجب الأخذ في الاعتبار أن كُتّاب القصص من المملكة المتحدة. لذا يجب على القارئ العربي أن يتفهّم أن لديهم عادات ومعتقدات مختلفة. لكن إن استثنيننا هذا الأمر، سيبقى الجانب الإنساني ساطعًا يلهمنا ويؤثر في نفوسنا بكل شفافية ونعومة وإن كانت ملونة ببعض الحزن.
روح لا تشيخ!
ربما يتقبّل الإنسان -بامتعاض- فكرة أنه جسده يشيخ، إلا أنه يرفض بكل إصرار الاعتراف أن روحه تشيخ أيضًا. الروح لا تشيخ إلا عندما تفقد قدرتها على التحكّم في النفس. إنها مظاهر شيخوخة الروح.
هكذا نرفض كل محاولات من حولنا كي نعترف بما نرفض الاعتراف به منذ البداية! وننكر كل الأدلّة التي تُثبت أننا قد بدأنا رحلة لا سبيل للعودة منها.
وكيف لا نفعل ذلك؟ كيف نصدقهم ونُكذّب أنفسنا!
وكإجراء احترازي لحماية الشيء الوحيد الذي يتحصّن به الإنسان ضد أية مصيبة؛ عقله. يُسارع في الحفاظ بقبضة حديدية على ذكريات الماضي. الذكريات التي شكّلت الإنسان وأثّرت فيه وجعلته الشخص الذي بات عليه. يُدرك العقل أنه لم يعد في استطاعته الإلمام بكل الأحداث التي دارت وما زالت تدور من حوله، فيتخلّص من كل ما ليس له أهمية بالنسبة له. فلا شيء في شيخوخته يهمه حقًا. إنه يحتفظ بكل ما يُذكّره بعنفوان شبابه. بسعادته، بألمه، بغضبه، بإنجازاته. يتعلّق بكل القديم الذي يثبت أنه كان موجودًا على هذه البسيطة.
وعندما يشعر بمدّ الخرف يُغرق شواطئ ذاكرته. ينتظر الموجة الأخيرة التي ستسحبه إلى بحر النسيان، ليلحق بكل من سبقوه. ويترك مثلهم أثرًا باهتًا على رمال الحياة، سُرعان ما يتبدّد بأسرع مما يتصوّر.
التقييم النهائي
نتجاهل دومًا حقيقة أن حياتنا تذوي بمرور الأيام. وعندما تهبّ عاصفة المرض أو حتى عاصفة مشاكل الحياة في أواخر حياتنا، فإنها لا تجد فينا قوتنا المُعتادة إما لمواجهتها وللتغلّب عليها؟ أو حتى لمُجرّد تحمّلها حتى مرورها. لكنها تجد فينا ضعفًا فرضته علينا طبيعة الدنيا وناموس الحياة. ستجد كل ما شكّلنا من حب وقوة وعزم وإيمان وهويّة، صار ذابلًا يابسًا مُهيئًا للاقتلاع!
إنه لشعور بائس أن يشعر الإنسان بذبول نضارة روحه، لكن الرضا بالحقيقة، والتسليم بالخسارة المتدرجة للعنفوان، والتمسّك بآخر بقايا بريق الروح، هو ما يجعل الإنسان هانئًا في آخر أيام حياته.
- نجمة = لم يعجبني
- نجمتان = مقبول
- 3 نجوم = أعجبني
- 4 نجوم = أعجبني بشدة
- 5 نجوم = استثنائي


