random
أخبار ساخنة

عكس عقارب الساعة

   






        
    
عن كُلِ شيء غير قابل للعودة! 
   

لعلّه على سبيل المستحيل أن يأتي في تاريخ البشر إنسانٌ لم يرغب في العودة إلى الماضي. جميعنا هكذا باختلاف الأسباب التي قد تدفعنا إلى ذلك: رغبة في تدارك خطأ ما، أو التماس صُحبة مَن فرّقتنا الدُنيا عنهم، أو الحاجة إلى تقديم اعتذار لمن لم يعد يشاركنا الحياة على هذه الأرض! قد تبدو هذه الأسباب مُجرّد أُمنيات بسيطة، إلا أنها في حقيقة الأمر تحمّل معنى أعمقّ من ذلك، إنها تحمل اعترافًا ضمنيًا بأخطائنا التي نَتَمنّى بألا تكون قد ارتُكِبَت.



ندرك مُتأخرين الوقت الذي ضيّعناه بعيدًا عمّن نُحبهم، والمال الذي أغدقناه على ما لا ينفع، والألم الذي تسبّبنا به لأشخاص يهتمون بنا، والأذى الذي ألحقناه بأصحاب حقّ لم نجد وقتًا للاستماع إليهم، والتجاهل الذي مارسناه على من لم يكن يرغب سوى بقضاء دقائق معدودةٍ على ضوء ابتسامتنا!



قد يغمرنا النّدم حتى تكاد أرواحنا أن تختنق تحت عبئه. نختلق في أحلام يقظتنا ألف مسار آخر للحياة غير الذي سلكناه، لعلّ ذلك يريحنا من وخز الذكريات. نتوهّم أن أفعالنا ستختلف إن اُتيحَت لنا فُرصة إعادة تجربة الحياة! ونهرب من حقيقة أن الماضي لا يتغيّر ولا يتبدّل ولا يُمحى، وأن التغيير فقط مسموح لما هو آت.

  

نتساءل أحيانًا: "هل من العدل أن تُدمَّر حياتنا بسبب اختيار خاطئ؟" - لقراءة المقال اضغط هُنا - قد نكون صادقين في تساؤلنا، لكننا في حقيقة الأمر نحاول البحث عن تفسيرات تُريح أرواحنا المُعذَّبة، وتُفتّش عقولنا -من أجل حمايتنا- فقط عن إجابات تنتشلنا من دوامات التعاسة، وننسى -في غُمرة سعينا إلى الخروج من شرنقة تقريع الذات- أن نتساءل أولًا "أليس الاختيار هو عين الحريّة؟"

  

نحن مُضطرون دومًا إلى الاختيار. قد يكون الاختيار سهلًا بين أسود وأبيض وبين خيرٍ وشرّ. لكن ماذا عن الاختيار بين أبيَضَيْن؟ أيهما يحمل المُعاناة؟ وأيهما يُجنّبنا الشقاء؟

  



   
إن عِبء مسؤولية الاختيار هو ما يعذّبنا. نحن مسكونون بالخوف تجاه عواقب اختياراتنا. هذا الخوف الذي ينشأ من جرّاء إدراكنا وتجاربنا. وبعد كل تجربة تكشف لنا نتيجتها عن أخطائنا، يزداد خوفنا بشكل غريزي مع اختياراتنا التالية. لهذا فإن تصرُّفات الطفولة ساذجة للجهل بالعواقب، وأفعال الشباب طائشة لعدم التقدير لمآلاتها. أمّا سن النضوج؛ فهو وقت استيعاب ثمن المعرفة!
    

لكن عقولنا تعاندنا كثيرًا قبل الرضوخ في النهاية -إن رضخت- لهذه الحقيقة، قد يرجع ذلك إلى مَيلنا الفِطري للحقائق المُريحة، وحرصنا المُتأصّل فينا على تفادي ألم تأنيب الضمير. تمنحنا عقولنا شعورًا وهميًا بإخلاء مسؤوليتنا عن أي اختيار، وإلقاء اللوم على أي شيء سوانا، وذلك بدلًا من أن تعزّز فينا الاعتقاد بأن الخطأ ما هو إلا أثر جانبي لحرية الاختيار.



كان أول من أخطأ من البشر آدم عليه السلام -خطأ وليس خطيئة- عندما أكل من الشجرة؛ في درس إلهي لازم لبدء الحياة على الأرض. من هُنا عرف الإنسان أن للحريّة ثمن، وأن للتعلّم مُقابل، وأن التوبة طريقٌ للخلاص، وأن التسليم بعجزه عن تغيير الماضي؛ شِفاء.





   


إننا نغفل عن أن نضوجنا لا بُد أن يتكوّن من خلال الأخطاء التي نقترفها، فلا نرى -أحيانًا- تلك الأخطاء سوى كأغلاط نرغب في حذفها من سِجّلات حياتنا، دون أن نَعيي أنها في حدّ ذاتها هي ما يُشكّلنا! قد تصدمنا هذه الحقيقة لأننا نعلم أن الزمن يسير في اتجاه واحد فحسب! وأن ما نملكه -فقط- هو محاولة ترميم صدع نتائج أفعالنا.

   


   

لا بُدّ لنا من قبول الأخطاء وتقدير خصوصية التجربة، واستيعاب الوجع الذي تحمله معها، لأن ألم الإدراك هو ما يضمن لنا يقظتنا وحذرنا مع كُل فعل نُقدم عليه، هو ما يحمينا من مَغَبّة تكرار الأخطاء التي اقترفناها من قبل.

   

إن الندم هو وعينا الذي يخلق فينا الرغبة في التغيير... تغيير أنفسنا إلى الأفضل!


      
   


أحمد فؤاد
21 حزيران يونيو 2021
author-img
أحمد فؤاد

تعليقات

9 تعليقات
إرسال تعليق
  • Reem Bader photo
    Reem Bader21/6/21 2:11 م

    أحيانا أشعر كأن الذاكرة مشحوذة الهمة هي أكثر العقوبات ضراوة و تأثيرا على الإنسان، و لعلها رتبة من مراتب الضمير مهمتها دوما و في أكثر لحظاتك انغماسا في الحياة ، في أكثرها سعادة آنية، في أعلاها نجاحا ، أن تبدأ في تصنيف مسرد كامل لكل الأخطاء
    قبل وفاته بساعات قال لي والدي رحمه الله أن الندم هو أقسى شيء يمكن أن يواجه الإنسان و أعتقد أنه كان صادقا.
    خلاصة المقال فتحت بابا للأمل: الندم عتبة ضرورية لكي لا نكرر ولوج الأبواب الخاطئة.
    مقال مميز يا صديقي. سعيدة بعودتك. تحيتي لك

    حذف التعليق
    • M.Nasr photo
      M.Nasr22/6/21 4:36 م

      أزال المؤلف هذا التعليق.

      حذف التعليق
      • Ahmad Fouad photo
        Ahmad Fouad23/6/21 9:40 ص

        لولا قساوة الندم ما كانت التوبة وما كان التغيير يا صديقتي.

        تقبّلنا لأخطائنا جُزء مهم من أن نتطوّر بدلًا أن نكون أسيروا أحزاننا.

        مُمتن لردّكِ وتشجيعكِ يا ريم🌹

        حذف التعليق
      • M.Nasr photo
        M.Nasr22/6/21 4:38 م

        أصبت كبد الحقيقة يا أحمد ..

        حذف التعليق
      • مورا جمال - كاتبه وباحثة ومدونة photo

        نعم .. حقاً إن عبء مسؤليه الاختيار هو مايُعذبنا
        يُعذبنا أن نختار بين أبيضين أحدهما أخف وطأه من الآخر .. لكن أيهما.. لا تدري إلا بعد الاختيار
        👍👍👍

        حذف التعليق
        • Ahmad Fouad photo
          Ahmad Fouad26/6/21 2:17 م

          صدق الله تعالى عندما قال وكان الإنسان أكثر شيء جدلًا...

          لا يعجبنا الاختيار ولا يرضينا ألا نختار!

          لكننا هكذا خُلقنا وهكذا سنستمر إلى أن نتنهي الحياة.

          حذف التعليق
        • Unknown photo
          Unknown23/6/21 5:22 م

          أحسنت النشر وصدقت القول تحياتي للكلام الرائع.

          حذف التعليق
        google-playkhamsatmostaqltradent