-->
U3F1ZWV6ZTI4MTk2MTU0NzE5X0FjdGl2YXRpb24zMTk0MjM1MzE2MzE=
random
أخبار ساخنة

هل ‏يلزم ‏على ‏الكاتب ‏أن ‏يكون ‏أخلاقيًا؟

 

    

يلوم الكثير من القُرّاء الأدباء على بعض كتاباتهم الأدبية التي تحتوي -في نظر أولئك القُرّاء- على أفكار غير لائقة. ويعتقدون في أن الكاتب كونه شخصًا مُثقّفًا ومُطّلعًا ولديه موهبة البيان، أنه سيُقدّم أعمالًا مثالية. ورغم جمال هذه الفكرة وعظمتها، إلا أنها – كأغلب الأفكار البريئة- ليست بالضرورة واقعية.

   

هناك خلط في وطننا العربي بين الأدب كوصف لفنّ الكتابة وبين الأدب كصفة أخلاقية، فقدرة الكتابة على نقل المعنى ليس معناه بالضرورة أن تكون وسيلة حصرية للارتقاء بالأخلاق. صحيح أن الأمم النبيهة والأدباء الأجلّاء يستخدمون الكتابة لتهذيب النفوس، لكن تبقى الكتابة مُجرّد وسيلة وليست غاية.

   

إن كانت الكتابة وسيلة للتعبير عن الرأي. فما هو هدف الكاتب من الكتابة؟ هل هو حل المشكلات؟ أم مجرد إلقاء الضوء عليها؟

  

إن حياة الإنسان على مر العصور منذ بداية حياته على الأرض، هي رحلة طويلة لحل لغز كبير، كلوحة من الفسيفساء ذات القطع الصغيرة (Puzzle) يحاول فيها الوصول إلى المعرفة. وكلما توصّل إلى معرفة أو علم؛ كلما نضج وعيه، وانكشفت له الأمور الخفية تباعًا. وكلما عرف؛ كلما تغيّر. وكلما تغيّر ازدادت لهفته لمعرفة المزيد. هكذا كان الفلاسفة في الماضي يحاولون الفهم من خلال التفكير في أسئلة قد تبدو للبعض عجيبة، لكن تساؤلاتهم كانت تحمل في إجابتها كل المعنى اللازم للحياة! اكتشف الإنسان حتى اليوم الكثير من الإجابات بفضل التواصل المستمر بين الأجيال والأعراق والأزمنة المُختلفة عن طريق الكتابة والترجمة، ولا تزال الرحلة مستمرة للبحث عن إجابات لكثير من الأسئلة التي سُئلت منذ آلاف السنين.

   

الكاتب أو المُفكّر أو الروائي يحاول من خلال نصّه الواقعي أو المُتخيَّل أن يلقي الضوء على مشكلات مجتمعية أو سياسية أو نفسيّة. قد يطرح لها حلولًا مُقترحة، أو يبحث عن أسباب نشأتها، لكن يظل هدفه الأساسي هو التشخيص، وتصوير تلك المشكلات إما بشكّل مُبهج أو بشكل مؤلم من أجل إيصال فكرته، من خلال تأمّلاته وأفكاره التي يسردها في النصّ.

    


   

فالكتابة الأدبية هي سرد ثقافي حضاري يرصد الطبيعة البشرية ودواخلها ويناقش أفكارها من وجهات النظر المختلفة. إننا كبشر لا يمكننا الحُكم على الآخرين إلا عندما نرى الصورة كما يرونها بعيونهم. نتفهّم دوافعهم ونُقدّر آلامهم وتضحياتهم. والسرد الأدبي هو المسؤول عن توليد صورة ثلاثية الأبعاد نرى فيها الشيء المُراد الحُكم عليه، بدلًا من الانسياق وراء بُعدٍ واحدٍ قاصرٍ لا يُراعي وجود اختلافات بين البشر في تركيباتهم النفسية والتي نتجت عن تغيرات اجتماعية أو سياسية أو دينية أو حتى مَرَضيّة. هذا التفهّم الناتج عن الإطلاع على وجهات النظر المُختلفة، ليس شرطًا أن ينتج عنه تقاربًا أو موافقة على تلك الأفكار بالضرورة، بل من المُمكن أن ينتج عنه نفورًا ومعارضة لها.

      

إن الأدب بهذا المعنى الشامل هو الغرض الأساسي الذي من أجله يكتب الأدباء، إنه دفتر اعترافات البشرية الصغير. إنه الكتاب الذي يحوي انسكابات النفس السويّة والدنيئة، ويُظهر الرغبات الجامحة ومحاولات كبحها. ويرسم مآلات اختيارات الإنسان بين الخير والشر، والصدق والكذب، والفضيلة والفسوق، والعفّة والفجور.

 

الأدب مَعنّي برسم رمادية الإنسان وليس مثاليّته. أن يُظهر نواقصه وصراعه مع نفسه الأمّارة بالسوء. أن يوضّح المعاناة التي يعيشها الفرد وسط طوفان من الأفكار والقِيَم والأخلاق الاجتماعية المُتضاربة باختلاف مُبشّريها! أن يَشرح مَشَقّة تكوين رأي خاص مُناسب لطبيعة الفرد ويوازن بين مُعتقداته وضغوط مجتمعه على أن يضمن له مساحة من الحريّة لتطبيق هذا الرأي والعمل به أو التعبير عنه.

   

هذا لا يتعارض مع إمكانية استخدام الكتابة الأدبية الروائية لإظهار المثالية من أجل الحث على الفضائل، لكن هذا الاستخدام يجب أن يكون بحرص بالغ، لأن القارئ يميل إلى النفور من مثل هذه المثالية كونه لا يُصدّق وجودها في الحياة. الرواية ليست مرافعة أخلاقية أو وسيلة للوعظ والإرشاد، وبالرغم من وجود أمثلة لروايات قامت بذلك بالفعل، إلا أنها فشلت في استقطاب رضا القُرّاء، بل وسببت نفورًا لكثير منهم لانفصالها عن واقع حياتهم. فالنهايات السعيدة التي لابد أن ينتصر فيها الخير على الشر؛ على الرغم من أثرها الإيجابي على النفس بالإضافة إلى دورها في إشاعة الأمل في الوجدان، وقدرتها على إحياء الضمير، وهدفها في ترسيخ الثوابت، إلا أنها تبقى –باعتراف ضمني خفيّي مُتفق عليه- غير واقعية وتظل تلك النهايات حيّة في الكتب وليس على أرض الواقع.

 

فخيبات الحياة وعُنف الشر وانتشاره يقف حاجزًا بين القارئ وبين مثل تلك النهايات السعيدة. يشعر القارئ معها بأنها مجرد صرخات ساخرة من ظلم يبدو في أعين المظلومين كأبد الدهر لا ينتهي.

     

القارئ –كانسان- يبحث في النهايات عن نقطة اتزان، فهو يميل إلى سوداوية النهايات الديستوبيّة إن ملّ أو ارتاب في هدوء معيشته! بينما ينهل من بهجة النهايات اليوتوبيّة عندما يجتاحه اليأس أو يشعر بحاجة مُلِحّة إلى بعض اليقين وسط عالمه المُنهار. إنها رحلة بحث مستمرة عن نفسه، ومحاولة لاستكشاف مسافة آمنة بين مفاهيم متنافرة؛ بين الثقة والريبة، الشك واليقين، الحُب والكراهية، الأمل والقنوط، الشجاعة والجُبن، الخِسّة والشرف، الذُل والكرامة، وبين الخير والشر.

   


   

الرواية كعمل إبداعي هي أكثر الأعمال الكتابية مراوغة، وقد يرجع ذلك إلى أن الرواية مُشابهة للنفس الإنسانية المُخادعة، وهي التي تُعبّر عنها بالأساس! لهذا ولأن الروائيين هم أكثر من يتبنّى القضايا المختلفة في نصوصهم. فيتعيّن عليهم أن يتقمّصوا أرواح جميع شخصيات رواياتهم؛ المثالية منها والمنحطّة، أن يتماهوا معهم من أجل التعبير عن ميولهم وأفكارهم في النص، من أجل أن يكتمل نسيج الحبكة في ذهن القارئ. وذلك من خلال مشاهد حسيّة وحوارات عنيفة وتصويرات مثيرة مُغرية قد يراها البعض غير لائقة فكريًا أو ثقافيًا أو أخلاقيًا. لكنها في الحقيقة تُمثّل الواقع، وترسم رحلة الإنسان في هذه الحياة، حيث الأدب هو وسيلة الكاتب ليرصدها ويوثّقها، وهو سبيل القارئ للاطلاع على تجارب الآخرين للاستفادة منها أو لتجنّبها.

 

غير أن مُعضلة الإبداع تكمن في أنه لا يمكن أن يعيش في جو خانق، فهو غير قابل للتقنين، لأن الإبداع في جوهره هو الابتكار، هو المختلف بين الكثير، هو الغريب على المُتعارف عليه، هو الزاوية التي ترى بها العالم من حولك بشكل مُبتكر. إن الابتكار يعني الغرابة، ونحن جُبِلنا على العيش في مجتمعات تخشى الجديد وتستهجن المُختلف، لهذا فنصيب الإبداع في الكثير من الأحيان هو المُحاربة والتهميش والسخرية منه.

 

لكن على الجانب الآخر؛ فإن معايير قياس الإبداع متفاوتة لدرجة المطاطية، حتى دخلت تحت عباءته مسوخ عديدة تهرب بشذوذها من المجتمع باسم الإبداع.

 

وما بين القمع والتعظيم يظهر السؤال... كيف يمكننا الحُكم على الإبداع؟ هل يجوز أن يحكم الثابت على المُتغيّر؟  هل يقع ذلك تحت دائرة تقنينه ومن ثَمّ تدميره؟ هل هذا ترسيخ للثابت ونبذ المُختلف؟ إذن كيف السبيل إلى نقطة اتزان عادلة؟

    

   

  

إن تعريف الأخلاق في حد ذاته شيء نسبيّ، يختلف من مكان لمكان ومن زمن لآخر. لكن القارئ لا يستطيع أن ينساق وراء مبدأ النسبيّة المُطلقة، لأن هذا الانحياز سيعمّق صراعه المُستمر مع مجموعة من المتغيرات التي تتبدّل بلا نهاية بحجّة التطوّر أو بذريعة الحرية. ورغم أن هذا التغيّر في حد ذاته هو السبيل الوحيد لاستمرار الحياة وتطورها، إلا أن القبول بمبدأ النسبية السائلة حيث لا حقيقة مُطلقة ولا معنى ثابت، يجعلنا غير قادرين على تحديد اتجاهاتنا... لأن قبولنا ذلك يعني أن يصبح كل شيء نسبي، وكل شيء مباح. وبالتالي يتغيّر الشَّمَال الحقيقي لبوصلتنا مع كل نصّ، وهكذا تفقد البوصلة معناها، ونظل ندور في دوائر لا تنتهي، كفضاء فسيح ليس له قرار. وبدلًا من أن يكون الإبداع هو محاولة البحث عن معنى للحياة، يتحوّل إلى ثقب أسود يضيع معه المعنى بالكامل.

 

هكذا ندرك أن نقطة الاتزان تكمن في القارئ ذاته، وفي مدى قبوله لأي نصّ أدبي يقرأه، والحكم عليه بنفسه حسب رؤيته ومُعتقداته وتقديره الشخصي. لهذا نجد من القُرّاء من يثنون على أعمال أدبية على الرغم من احتوائها –بشكل موزون- على ما قد يرفضونه فكريًا أو أخلاقيًا. هذه الرؤية تعكس تفهّم القارئ بأن الكتابة الأدبية، تُصوّر الصراع الأزلي للنفس البشرية سواء مع نفوس الآخرين أو صراعها الداخلي الذي لا ينتهي. وأن لا وجود على هذه الأرض لخير دون شر، ولا لسعادة دون ألم، ولا لجمال دون قُبح، ولا لرِفعة دون وضاعة، ولا لاحتشام دون فُحش، ولا لأدب دون ابتذال، ولا لتوبة دون ذنب.

 

الحديث عن أخلاقيات الكاتب لا يمكن أن يُناقَش دون الحديث عن أخلاقيات القراءة. وعن المواجهة المًستمرة بين القارئ والكاتب في كل نصّ، وعن السلوك المُفترض منطقيًا من الشخصيات المُتخيّلّة في الأعمال الأدبية. وعن الفارق بين أخلاقيات الشكل وأخلاقيات المضمون، وعن الظاهر من النصّ والمخفيّ في باطنه، وعن التأويل والأدوات الأدبية الدالّة عليه.

  


   

إن قراءة الرواية عمل فردي جدًا. إنه السرّ الذي يخبر به الكاتب كل قارئ على حده. هذا السرّ الذي يحوي حياة كاملة حقيقة أو مُتخيّلة، قد ينتشي بها القارئ أو ينفر منها، قد ترسم في قلبه السعادة أو تدق فيه وتد الألم. إلا أن القارئ في كل الأحوال لا يُفصح عمّا فعلته به القراءة، مهما صرّح عن انطباعه فيما قرأه، أو ناقش مضمونه مع الآخرين، حتى وإن انتقد كل ما جاء فيه على الملأ. يظل إفصاحه غير كامل. تنقصه مشاعر يرغب في الاحتفاظ بها لنفسه فقط، فيُخفى شغفه بالحروف والأحداث والصراعات والمآسي والمسرّات التي قرأها، ويكتم تعلّقه بشخصيات عاش معها على الورق، ويُضمر نشوةً وُلِدَت من كلمة لمست داخله وترًا مُستترًا عن عيون من حوله.

  

هذا لأن تأثير القراءة الحقيقي للكتابة الأدبية يبقى خاصًا حميميًا كالأحلام. نحن لا نخجل من أحلامنا لأنها تبقى داخلنا، بعضها يثبت في نفوسنا وكثير منها يُعاد ضَمّه لحصيلة الذكريات من أجل إنتاج أحلام جديدة!

 

الكتب هي نافذتنا لرؤية الجوانب التي قد لا نراها خلال رحلة حياتنا، هي الإثبات لوجود الآخر وتأكيد إنسانيّته والتعاطف معه، هي وسيلتنا لمعايشة حيوات تخشاها النفس أو لا تجرؤ على عيشها. تذكرةٌ مجانية للولوج إلى التجارب دون وثيقة تأمين على الحياة. هي الحق في الحلم وتلمّس الأمل واختبار الخوف والتمرّن على الاختلاف وإدراك الظلم وتفهّم العار وسبر أغوار المجهول عنّا. هي لذة ممارسة مشاعر الحب والكره والألم والفقد والتعاسة والرغبة والغضب والقتل والحبس والهرب والندم والعطش والجوع والفقر ورغد الحياة.

   

يقرأ المرء؛ فيشعر بحاجته إلى الحب.

فيطبع على وجه امرأته قُبلة، ويسكن إليها في الليل الذي لم يكن يصلح -من قبل- إلا للغياب عن الواقع!

ورُبّما يقرأ فيهرع إلى أطفاله المنشغل عنهم ليبهجهم بحضوره.

ولعلّه يقرأ فيفطن إلى الظلم الذي يعيش فيه كل يوم بكل وئام!

أو يقرأ فينهكه الأسى على ضحايا الحروب.

وبين الحروف اللانهائية يتعرّف على مشاعر جديدة، أو لعلها تسكن داخله دون أن يدري.

يدرك ضعفه البشري... يرى نفسه من جديد.

ويقف أمام احتمالات التغيّر

قد يقرأ المرء؛ فيصبح ثائرًا، أو يظل مُدجّنًا.

يقرأ؛ فيمسي فاسقًا، أو يضحى قِدّيسًا.

يقرأ؛ فيصير قاتلًا.

 لكنه في الأغلب... يقرأ؛ فيعود إنسانًا.

 

نعود إلى نقطة البداية؛ هل يلزم على الكاتب أن يكون أخلاقيًا؟

 

حسنًا... قد لا تكون هناك إجابة قاطعة على هذا السؤال، لكن يمكننا القول إن النصوص الأدبية نصوص ناقصة، تكتمل بتورّط القارئ فيها وتأثّره بها. وعند اكتمالها فقط؛ يتوقّف تقبّل القارئ لها ولأخلاقيات كاتبها من عدمه، على مدى اندماجه وانسجامه وتآلفه مع هذا التورّط!

 

أحمد فؤاد

20 آب أغسطس 2020

 

الاسمبريد إلكترونيرسالة