random
أخبار ساخنة

مُراجعة رواية أولاد الناس - ريم بسيوني


      
     

رحلة روائية ساحرة عبر التاريخ يحلو فيها الحكي!
    

قبل السفر

         
في الحكيّ سكينة، وفي الاستماع إلى التاريخ شجن وألم وأمل. فلا حال يبقى ولا هزيمة تدوم ولا نصر يستمر. إن التاريخ مليء بالعِبَر التي تزرع فينا اليقين والريّبة معًا! اليقين من حتمية بزوغ الضوء مهما طال الظلام؛ والريبة من الاطمئنان إلى دوام الأمن والأمان. فالحياة دار كرب وشقاء، والنعيم له موعد وميقات.

إن كانت القاهرة تبتلع وتصهر وتبدع، فإن رواية أولاد الناس؛ قد ابتلعتني وصهرتني وسَكَنت فيّ!

ككل شيء في الدنيا غير كامل، كانت الرواية حتمًا غير كاملة، بها مواطن ضعف وقوّة. ولأنني قارئ أحاول دومًا الاستمتاع بما أقرأ؛ فقد أبحرت في ثناياها مُتجاهلًا كل ما قد عكّر عليّ صفو رحلتي فيها، فوصلت إلى نهاية الرحلة يعتريني شجنٌ مرير وحنينٌ موجِع ولذّةٌ مؤلمة.

فراغًا تركته الرواية في نفسي بعد فراقي لها. خواءٌ يحيى وسط عالم شادته الكاتبة ببراعة. فضاء تهيم فيه الروح التي تشابكت عبر الأزمنة والأماكن في الرواية وباءت كل محاولات الفصل بالفشل.

وها أنا أحاول توثيق رحلتي في الرواية بحيادية لن تنال من حُبّي لها.

تعالوا معي في مُراجعة مُفصّلة عن الرواية وبنائها وأسلوب سردها ولُغتها وحبكتها وشخصياتها، وتفاصيل أخرى مُتنوعة. سنسافر إلى عصر الدولة المملوكية... فاربطوا الأحزمة.
     


إنّه التاريخ


    

منذ أن خُلِق الإنسان وهو يحكي. وأغلب حكاياته عن ماضيه. يحكي لطمس الزيف ونشر الحقيقة. يروي عن عائلته وجدوده وقبيلته. يقُصّ الكثير عن تاريخه؛ عن القصص المجهولة والحكايات المنسيّة. تلهمنا الحكايات دائمًا، تارة تبث فينا الرغبة في مقاومة الظلم، وتارة تُحذّرنا من غرورنا. إنه التاريخ... سِجلٌ من هويّات مفقودة ومُندثرة، وممالك وإمبراطوريات بائدة وحضارات صارعت من أجل الحياة في ذاكرة البشر.

رواية أولاد الناس -ثُلاثية المماليك، رواية تاريخية شيّقة، تجري أحداثها منذ بداية القرن الرابع عشر وحتى بدايات القرن السادس عشر، والتي تُغطيّ الدولة المملوكية الأولى (المماليك البحرية) والدولة المملوكية الثانية (المماليك البُرجية) وحتى سقوطها على يد السلطان العثماني سليم الأول وإعدام السلطان المملوكي الشجاع طومان باي آخر سلاطين الدولة المملوكية.

تدور الرواية في ثلاث حِقَب زمنية متتالية مُتسلسلة بشكل جميل، من خلال ثلاث قصص حُب مُختلفة وغريبة على العُرف الذي كان ساريًا في البلاد حينئذ، لشخصيات مُنتقاة من المماليك والشيوخ العُلماء والمصريين. تفاصيل الرواية بشكل عام ممتازة ويظهر المجهود الضخم للكاتبة د. ريم بسيوني في تفاصيل العمل، والاهتمام بتفاصيل تاريخية أغلبها حقيقية.

     

جميل أن يقوم الأدباء بتقديم التاريخ بلُغة مُعاصرة وأساليب شيّقة مُناسبة تُسهّل على القُرّاء الاطلاع على الأحداث التاريخية بحلوّها ومُرّها، بدلًا من هجرته التي سيتبعها نسيانه.
     

فإن لم نبلغ المُراد فلا بد من دفء الماضي للعيش، وإن لم نفلح في البقاء فلا بد من حكايات الأبطال حتى لا نفنى. ريم بسيوني

            
     

أسلوب السرد:

 

      
تعدّدت أساليب السرد خلال الرواية واختلفت زواياه، فنقرأ بعين الراوي أحيانًا، وبعين المخاطب أحيانًا، وبأسلوب العليم أحيانًا أخرى. اختارت الكاتبة ألفاظها وتراكيب الجُمَل بعناية لتضعها في إطار مناسب مع الحِقبة الزمنية التي تدور فيها الأحداث. ويأتي أسلوب السرد في بعض الأجزاء (الراوي الخفي الذي يربط الأحداث) مُشابهًا لأسلوب حكايات السيّر الشعبية، وهو جنس أدبي كان رائجًا في ذاك الوقت، وصار معينًا للكُتب والقصص ولحكايات خيال الظل (المسرحيات لاحقًا) وتداولت بين جميع الأعمار.

أود التنويه والإشارة إلى مهارة الكاتبة ودراستها المُستفيضة لمُجريات حِقبة المماليك. ففصاحة ألسنة الأبطال في الرواية وعُمق حواراتها، ما هو إلا انعكاسًا لثراء عصر المماليك والذي اعتُبر العصر الذهبي للموسوعات العربية، فمن البديهي في زمن عاش فيه عُلماء على وزن السيوطي والمقريزي وابن خلدون وابن كثير وابن القيّم والعسقلاني والنووي، أن تكون اللغة على ألسنتهم مُحكمة؛ نظرًا للمستوى الثقافي والفكري الذي كان سائدًا في البلاد.

رغم جودة الأسلوب، إلا أن هذه الجودة شابها الضعف في بداية الرواية، لكنها استمرت في النضج بمرور الأحداث، فنجد مثلًا أن هناك الكثير من التكرار لكلمات بعينها؛ ليس فقط في القصة الواحدة بل وفي نفس المشهد أحيانًا. لم يقتصر التكرار على الكلمات بل كان هُناك استنساخًا لمشاهد كاملة بتعديلات طفيفة، على الرغم من أنها لا تخدم الرواية بعد أن أبانت الفكرة عند ذكرها أول مرة. أتفهّم أن المقصود هو التركيز على رأي محدد رغبت الكاتبة في إيصاله، لكن المشكلة أن هذا الأسلوب يأتي غالبًا بنتيجة عكسية على القارئ، والذي يشعر بنوع من الوصاية الفكرية التي ينفر منها. كان هناك أيضًا بعض التطويل في الكثير من الأماكن، لم أر في حذفه تأثيرًا في جمالية القصة ومضمونها، بل رأيت أن النص سيكون أكثر رشاقة بدونه. كان هناك أيضًا لم يعجبني الإصرار على تصوير علاقة الحُب وصراعها بين البطلين في القصة الأولى على أنها تصوير غزوات وحرب؛ رُبما كان هذا إسقاط على مصر، لكن التكرار أفقد الإسقاط معناه والتعبير حلاوته.

ولأن نضج أسلوب السرد كان تدريجيًا فكان من البديهي أن تتطوّر القصص أيضًا بنفس الطريقة، فنجد أن نهاية القصة الأولى أفضل بكثير من بدايتها، ثم نرى القصة الثانية أقوى من القصة الأولى ونجد فيها براعة تصوير الصراع النفسي داخل الإنسان. ثم تأتي القصة الثالثة والأخيرة كأفضل قصة في الرواية من حيث التماسك والتنوع مُقارنة بما سبقها. لكن المشكلة الحقيقية أن جميع القصص قد وقعت في مأزق ضربها جميعًا في مقتل ألا وهو مأزق الحبكة.

      

الحبكة

  
     
كل قصة من قصص الروايات الثلاثة ذات حبكة جيّدة إلا أن أساسها كان ضعيفًا هشًّا، وإن لم يتجاهل القارئ هذا الأساس الذي قامت عليه الحبكة، فإن بناء الحبكة سينهار ولن تشفع لها قوة بناءها. والأساس الهش الذي أقصده تحديدًا هو مفتاح ارتباط بطليّ كل قصة.

لا أعرف إن كانت الكاتبة قصدت مِصرًا -كإسقاط- في قصص الحُب والتعايش مع الظُلم وتغيّر الزمن الذي تتقلّب فيه القلوب وينقلب العدو حبيبًا ويصير الحبيب عدوًا. لكن الرسالة لم تكن أبدًا موفّقة؛ سواء كانت إسقاطًا على مصر أو حتى كانت رسالة للمرأة. فلن يُستساغ فعل الاغتصاب أو القهر، مهما أجبرت الأيام المظلوم على التعايش، لأن الروح التي تموت بفعل فاعل تظل تحيا مشروخة مهما بلغت مهارة الترميم!

     

القصة الأولى قد تكون القصة الوحيدة التي من الممكن أن أجد فيها بعض المنطق، فقصص الإكراه على الزواج لم تنتهي منذ أن بدأت وحتى اليوم، رغم تنوعها واختلاف ظروفها وتبادل أدوار الإرغام! لهذا قد أتفهّم غضب زينب وألمها ووجعها، وقد أتفهّم جبروت الأمير محمد وأفكاره التي تتناغم مع سياق زمنه. نعم؛ قد يندم الإنسان على خطأ ما، وقد يُقلّب الله القلوب، وهذا ما نلمسه في بعض الزيجات بالفعل. إنما التحوّل الدرامي شديد التحوّل من النقيض إلى النقيض، كان صعبًا على نفس القارئ وغير متجانس مع الوله الذي أصاب زينب وأحرق مراكب قلبها جمعاء ليصبح مُحمد هو ملاذها الوحيد. وأظن في رأيي أن أسلوب عرض مشاعر زينب وعشقها بهذا الشكل المُفرط لم يكن موفقًا، ودليلي أن نهاية القصة -خاصة في لحظة وداع زينب لمحمد- كانت من أقوى المشاهد في القصة الأولى على الرغم من عدم الاستفاضة في الكتابة عن هذه المشاعر. أيضًا كان موقف زينب من ثقة الأمير محمد فيها عند سفره غريبًا، ووجدته مُتنافرًا مع تسلسل تطوّر الشخصية على الرغم من انسجامه مع شخصيتها العنيدة المُتقلّبة، لكن إذعان الأمير كان غير منطقي، لهذا فقد رأيت أن الأمر فيه مُبالغة غير مستساغة.

      

القصة الثانية وعلى الرغم من روعة تصوير شخصية قاضي قوص وقوة بناءها، إلا أن فكرة سفر ضيفة لم تكن فقط غير منطقية بل وغير مُبررة. حتى الحوار الذي دار بينها وبين الشيخ في السجن غير مُقنع وغير متسق مع شخصية ضيفة لا قبل الزيارة أو حتى بعدها. فنجد أن الحدث نفسه (مشهد السجن) غريب وغير عقلاني، ومُبرره ضعيف جدًا، مبني على تضحية لا معنى لها على الإطلاق. رأيت أن هذا الاختيار كان اختيارًا سيئًا أثّر على الحبكة، وظل هذا الأثر كغصّة في حلق القارئ تحول بينه وبين الاستمتاع بقصة قاضي قوص الممتازة.

      

القصة الثالثة... هي أجمل القصص في رأيي وأكملها بناءً ومُتعة وإثارة؛ فقط إن حذفنا نصفها الأول!

لا أنكر أنني من فرط حُبي لهذه القصة تناسيت تمامًا أعظم مشاكل الرواية في الحبكة وهي مشكلة القصة الثالثة (تعارف حسام الدين وهند). فحذفت من رأسي كيفية تلاقيهما، والفصول التي كانت خارج القاهرة، واعتبرت أن القصة الثالثة قد بدأت بعد الوصول إلى القاهرة!

لضمان عدم حرق الأحداث؛ قُمت بشرح مشكلة القصة الثالثة بشكل تفصيليّ، لكن المحتوى مخفيّ، ولمن أراد الإطلاع عليه الضغط على الأيقونة التالية
    

    



    
وكما أسلفت... بمجرد الوصول إلى القاهرة تحوّلت القصة لقصة عظيمة، وكان هذا الجزء الأخير من الرواية هو الأمتع والأجمل والأكمل.

في رأيي أن اعتماد الكاتبة على إيصال الرسالة من خلال قصص حُب غير تقليدية دفع بها إلى الإمعان في الغرابة، لكن ذلك أتى بنتائج عكسية قد يصفها البعض بأنها كارثية.

   
   


   

الشخصيات

     

      
الشخصيات الرئيسة في الرواية:

جاءت الشخصيات الذكورية في الرواية أقوى من الشخصيات النسائية، قد يكون ذلك بسبب مُشكلة القرارات التي اتخذتها البطلات في الرواية والتي أثّرت بشكل سلبي على بناء شخصياتهن.

قاضي قوص "عمرو": أفضل شخصية في الرواية، كُتبت بعناية شديدة وهي شخصية العالِم الذي لا يخشى في الله لومة لائم، يحاول دائمًا مُحاربة شيطانه ووساوسه التي تتمثّل له في شكل غرور أو إعجاب أو سُم في عسل. نجحت الكاتبة في تجسيد الشخصية ببراعة لا يجد القارئ أمامه إلا الإعجاب بها.

الأمير محمد المًحسني: لم تحظى هذه الشخصية بعناية كافية، واقتصرت على جودة متوسطة في بنائها، كما شكّل ثنائيًا جميلًا مع زينب في الثلث الأخير من القصة الأولى.

سلار: رُسِمَت الشخصية بجودة عالية خاصة في مشاهد اللقاء بطومان باي والفرسان الثلاثة وتصوير حالة الألم بعد الهزيمة والتي جاءت في أبهى صورة مُسببّة ألمًا نبيلًا من الصعب أن يهرب القارئ من فكاكه.

حسام الدين: شخصية غير منطقية، وتركيبها خاطئ في رأيي. اعتبرتها شخصية مُستقلة ماتت عندما وصلت إلى القاهرة!

هند: أفضل شخصية نسائية في الرواية -بغض النظر عن تعاطفها الغريب مع خاطفها- لكن بناء الشخصية كان جيّدًا. تصوير الحالة النفسية المُضطربة جاء موفّقًا. رسم علاقتها بزوجها بعد الهزيمة جاء رائعًا.

زينب: شخصية مُسطّحة بعض الشيء، وانحصر اهتمامها في حروبها وغزواتها على حبيبها فقط! رغم أن بداية تركيب الشخصية -خاصة في المشهد الأول في الخان- كانت مُشجعة جدًا.

ضيفة: أضعف شخصيات الرواية في رأيي. ولم تكن الكاتب مُوفّقة في رسمها. رحلتها غير منطقية. تصرفاتها غير منسجمة في جميع مراحلها في القصة. لم أجد أي تدرّج في تحولاتها النفسية فظهرت كأنها عدة شخصيات مختلفة غير مترابطة.
       

       
الشخصيات الثانوية في الرواية
       

تفاوتت جودة الشخصيات الثانوية

من الشخصيات الممتازة كانت شخصية الشيخ عبد الكريم، وفاطمة، وبائعة الملح.

من الشخصيات المتوسطة كانت يوسف.


ومن الشخصيات الضعيفة كانت شخصية جوزفين الإيطالية، فنحن نعرف أن أمها قد عزلتها في إيطاليا، ومنعتها من زيارة مصر في حياتها. قد نستنبط أنها درست العربية لمعرفة المكتوب في رواية جدها، لكنني لم أجد إجابة لسؤال هام: كيف تحدّثت بطلاقة باللغة العربية مع شيخ في مسجد في القاهرة؟! وكيف وصلت إلى هذا العُمق في حوارها معه؟! وجدت الألفاظ التي استخدمتها جوزفين غير مناسبة لشخصيتها ولا للزمن الذي تنتمي إليه؛ وهو العصر الحديث.


     


مشاهد بَقيّت في الذاكرة


     

    
مشهد الوداع بين زينب والأمير محمد كان مؤثّرًا رغم قصره الشديد واقتصاره على حوار قصير جدًا، وهذا يدل على جودة بناء المشهد. شعرت مع نهاية القصة الأولى بهوّة بعد فقد بطليّها، وعانيت حتى أتأقلم مرة أخرى مع الرواية، وظلت روح محمد المُحسني تسكن النصّ حتى انتهاء الرواية.
   

مشهد الشيخ عمرو مع السلطان برقوق في السجن من أجمل مشاهد الرواية بكل تأكيد، واستمتعت به بشدة.
   

مشاهد مقاومة الشيخ عمرو للباطل وتنفيذ القضاء على المُذنِب رغم علوّ شأنه؛ كانت قويّة.
   

مشهد اللقاء الأخير بين الشيخ عمرو والسلطان برقوق؛ مشهد درامي ذو حوار قوي ظهر فيه نُضج شخصية عمرو وسُرعة بديهته في تناغم ممتاز مع حكمته التي اكتسبها من سنوات عُمره وصراعه السابق.
   

أغلب مشاهد سلار خاصة أثناء المقاومة ضد العثمانيين وحالته بعد الهزيمة ومعاصرته لإعدام السلطان طومان باي؛ كانت مؤثرّة وموجعة ومازلت أشعر بالأسى كُلّما تذكرتها.
     
      

باب زويلة الذي شُنِق وعُلّق عليه السلطان طومان باي


   
       

اقتباسات

     
   
ولم تذرف دمعًا بعد ذلك، فحُزنها كان عُمقه يستعصي على الدموع.
     

ما أسهل فناء البشر، بعد الوباء شعرن بضآلة الإنسان وتفاهته، تعرف، لابد أنك تعرف أن الحروب تذهب هباء لو لم نسجلها ونُخلّدها بالعمائر، لا وباء يقتل العمائر ولا غدر يغتالها.
        

هو العشق والموت لا يفرقان بين شيخ وسًلطان وغنيّ وفقير، ليس للمماليك اختيار، والنساء يا عمرو كالمعارك في حياتنا، نختار ما يحمي ليس ما يرغب فيه القلب.

     
إن ما تراه العين هو ما تريد أن تراه دومًا، بينما الحقيقة تختفي كالهلال قبل الظهور. الضلال.. ما أوضحه! يسطع كبياض الصُبح، كلنا نسير وراء موكبه، أما الحقيقة فطمس وظلام.

   
كلما تمسّكت بالحبل جرح يديك وآذى نفسك. اتركه بشجاعة ويقين، يهتز اليقين لدى النفوس القويّة، ولكنه يعود ثابتًا كالوتد يا بُنيّ.

   
يبدو لي أن من أصيب مثلك في الولد والزوجة هو من يعطي بسخاء، يعطي العلم ويبدع في العطاء، وكأنه يعكس بعطائه حُزنًا لا ينتهي.

    
في كتابة الحق جهاد وانتصار، وفي تدوين الوقائع وصول إلى اليقين وثبات للنفس، الدهر يتلاعب بنا وبمصائرنا، ولكن القدم تقف ثابتة على الأرض العتيقة لو كتبنا الحقيقة ولم نُخْف ضِعفًا ولا قوة، ولم نحاب لأخٍ ولا عشيرة، فالتاريخ يحول دون الفناء، ويُدفئ الصروح الباردة، ويحمي من غدر الطامع، إذا كُتِبَ بيد أمينة ودَوّنه رجال العلم والمعرفة.

    
العُمر ليس به لا هزيمة ولا انتصار. هي أيام مُتفرّقة تمتزج فيها الألوان، لم نعرف فيها مُنتصرًا قط، ولا خالدًا عارفًا بكل شيء، ولا معصومًا مُحصّنًا من كل سوء.

    
كلنا نعيش بأسماء غير أسمائنا ونفوس غير نفوسنا، كلنا نتظاهر وندّعي ونُصدّق ادعاءاتنا، كلنا نعيش أشخاصًا لا نعرفهم!

                     
     

التقييم النهائي


     

رواية أولاد الناس -ثُلاثية المماليك للكاتبة د. ريم بسيوني، رواية تاريخية شيّقة ذات جودّة أدبيّة عالية، ولُغة فصيحة ممتازة، وجَوّ تاريخيّ ساحر. قد تكون الرواية قد وقعت في بعض الأخطاء الجسيمة في بناء الشخصيات، والتي تؤثّر في الحبكة وقوة بناء الرواية، إلا أنها تظل عملًا مُهمًا خاصة وأن إيجابيات الرواية أكثر بكثير من سلبياتها.

أعجبتني الرواية بالفعل، وأسفت على وجود تلك الأخطاء المُزعجة التي أشرت إليها، فقد تمنّيت أن تكون الرواية كاملة، وقد كادت أن تكون كذلك بالفعل. لكن الكمال لله وحده.  

بكل تأكيد الرواية تستحق القراءة، فهي من الروايات التي يظل أثرها باقٍ في النفس.

      

تقييمي 3 من 5

      

         

تأملات على هامش الرواية – رحلة في عصر المماليك


الرواية جاءت ببعض المعلومات الجميلة والهامة وإن جاءت بين السطور دون الإسهاب في شرحها وتوضيحها، فرأيت أن أُسلّط الضوء عليها لعلّها تكون نافعة للقارئ.
     

خيال الظل

     

جاء في الرواية كلمة خيال الظل، بحثت عن معناها وأصولها ومصدرها، وعرفت...

     


    
     
خيال الظل هو فنّ شعبي يتكوّن من دُمى مصنوعة يدويًا وتتحرك من خلف ستارة أو شاشة شفافة أو رقيقة في مسرح مُظلم، ويُسلّط الضوء على الدُمى من وراء الحلبة فيظهر ظلها على الشاشة وهي تتحرك على إيقاع نص مقروء وموسيقى. انتقل هذا الفن الشعبي إلى العالم الإسلامي من الصين أو الهند عن طريق بلاد فارس، واشتهر به العصر المملوكي على وجه الخصوص. ما زال فن خيال الظل يُمارس في دمشق وقد أدرجته مُنظمة اليونسكو عام 2018 في قائمة التُراث الثقافي غير المادي الذي يحتاج إلى المحافظة عليه بشكل عاجل.

وقد ذكره الأبشيهي في كتابه "المُستطرف في كل فن مُستظرف"، لكن اشتهار هذا الفنّ في مصر كان في العصر الفاطمي، ثم عصر الدولة الأيوبية والدولة المملوكية. وكانت تمثيليات خيال الظل حينها من أشهر وسائل الترفيه في مصر، يقبل عليه الناس من جميع الطبقات الاجتماعية لمُشاهدتها. وكان من أشهر من كتب مسرحيات خيال الظل وطوّرها هو شمس الدين ابن دانيال، الذي قَدِم من الموصل إلى مصر في عهد السلطان الظاهر بيبرس، وبقيت ثلاث مخطوطات كتبها ابن دانيال محفوظة بدار الكتب المصرية بالقاهرة، كما بقيت بعض الدُمى من بينها واحدة من العصر المملوكي محفوظة بالقسم الإسلامي في متحف برلين.
    




   

     






   
 

عصر المماليك – العصر الذهبي للموسوعات العربية


      
عصر المماليك بشكل عام هو عصر غنيّ جدًا يصلح لكتابة مئات الروايات، وجاءت الكاتبة لتُنير بعض الظُلمة التي قبع فيها أثر المماليك في عقول وذاكرة جيل الشباب، والإشارة إلى وقت كانت القاهرة بقيادة المماليك هي مركز العالم الإسلامي بعد وقوفها في وجه المغول، وهزيمتهم ومُطاردتهم حتى إخراجهم من الشام. هذا بالإضافة إلى نجاحهم في إنهاء الحملات الصليبية تمامًا عام 1291 بعد فتح عكّا. أحيّت دولة المماليك الخلافة العباسية في بغداد بعد أن دُمّرت على يد المغول، وكانت نهاية الدولة المملوكية عام 1517 على يد السلطان العثماني سليم الأول، وعلى إثر ذلك تنازل آخر خلفاء الدولة العباسية عن الخلافة إلى الولاية العُثمانية.

عاصر العديد من مشاهير العلماء الذين أثروا العصر المملوكي في شتى المجالات العلمية والدينية، ولعلّ أشهرهم المقريزي والسيوطي وابن خلدون و ابن القيّم وشمس الدين الذهبي و النووي وابن تيمية والعز ابن عبد السلام وابن حجر العسقلاني و ابن كثير.
   

واشتهر العصر المملوكي بالعصر الذهبي للموسوعات العربية، وكانت منها:
   

  1. ممالك الأبصار في ممالك الأمصار – شهاب الدين العمري
  2. نهاية الأرب في فنون الأدب – شهاب الدين النويري
  3. صبح الأعشى في صناعة الإنشا – القلقشندي
  4. معجم لسان العرب – جمال الدين ابن منظور
  5. الشامل في الطب – ابن النفيس
  6. كتاب العبر، وديوان المبتدأ والخبر في أيام العرب والعجم والبربر، ومن عاصرهم من ذوي السلطان الأكبر – ابن خلدون
  7. البداية والنهاية – ابن كثير
  8. تفسير القرآن الكريم – ابن كثير
  9. السلوك لمعرفة دول الملوك (الخطط المقريزية) – المقريزي
  10. النجوم الزاهرة في ملوك مصر والقاهرة – ابن تغري بردي
  11. المغني (فقه مُقارن) – ابن قدامة المقدسي
  12. بدائع الزهور في وقائع الدهور – ابن إياس الحنفي (أبو البركات)


        
    


أحمد فؤاد
2 آب أغسطس 2020

author-img
أحمد فؤاد

تعليقات

4 تعليقات
إرسال تعليق
  • Abeer photo
    Abeer3/8/20 2:10 م

    استمتعت جداً لقراءتي لهذه المراجعة التفصيلية المشوقة الاكثر من رائعة لرواية أولاد الناس

    عالم مواز عالم ثقافي أدبي يستحق الزيارة والتنقل بين صفحاته

    حذف التعليق
  • Unknown photo
    Unknown9/8/20 7:45 م

    مراجعة مرجعية بها مجهود خرافي خاصة تحليلك لكواطن ضعف الحبكة
    احببت بشكل خاص معلومات خيال الضل و الموسوعات المملوكية

    حذف التعليق
    • Ahmad Fouad photo
      Ahmad Fouad5/9/20 2:23 م

      أرجو أن أكون قد قدّمت عملًأ راقيًا يليق بالقارئ العربي.

      خالص الشكر على المرور وعلى التعليق الجميل

      حذف التعليق
    google-playkhamsatmostaqltradent