U3F1ZWV6ZTI4MTk2MTU0NzE5X0FjdGl2YXRpb24zMTk0MjM1MzE2MzE=
random
أخبار ساخنة

مُراجعة رواية البريق - ستيفن كينج

    
  


يقولون أن أفضل الكتب هي التي لا يمكن تلخيصها، وهذه الرواية هي أفضل نموذج على ذلك. لأننا إن حاولنا كتابة مُلخص لها، لبدت سخيفة للغاية






التفاصيل


التفاصيل التفاصيل التفاصيل

من قرر أن التفاصيل دائمًا مملة، ومن اعترض على أن الملل جميل في بعض الأحيان؟ ومن ظنّ أن الحبكة قطعًا أهم من التفاصيل!

هذه مفاهيم كسرها الكاتب ستيفن كينج في رأسي وأنا أقرأ له رواية البريق، وكيف لا وقد غرقت حتى النُخاع في عوالم شخصياته حتى فاق اهتمامي بهم؛ اكتراثي بالقصة نفسها في بعض الأحيان!

يقولون أن أفضل الكتب هي التي لا يمكن تلخيصها، وهذه الرواية هي أفضل نموذج على ذلك. لأننا إن حاولنا كتابة مُلخص لها، لبدت سخيفة للغاية. بل أزيد على ذلك أن الدهشة أصابتني عندما أعدت قراءتها بشكل سريع جدًا من أجل محاولة اختيار اقتباسات لعرضها، وفوجئت بأنني لم أجد اقتباسًا واحدًا يمكن أن يُنشَر! وجدت السرد بسيطًا جدًا، بعيدًا عن البلاغة، وكنت قد ظننت ذلك سلبية تؤخذ على الرواية، إلا أنني أدركت أثناء قراءتها أن عبقريتها في بساطة أحداثها التي هي حقيقية جدًا حميمية جدًا، وكأنني أستمع إلى الحكاية بأذني؛ لا أقرأها على صفحات كتاب.

من الغريب أن الكثير –وأنا منهم- يعرف الإطار الأساسي لقصة الرواية قبل قراءتها، مدرس لغة انجليزية فقد عمله ويريد عمل مؤقت، اصطحب زوجته وابنه الصغير ليعمل حارسًا لفندق ينعزل عن العالم لمدة ستة أشهر بسبب الشتاء، ويريد استغلال هذا الوقت لكتابة روايته كي يستعيد ثقته بنفسه قبل ثقة من طردوه كي يعود مرة أخرى إلى عمله.

قد يُخمّن القُرّاء النهاية أو قد يعرفونها بالفعل. لكن العجيب أنني كلّما تقدّمت في القراءة، وجدت أنني لم أعد أهتم بالحبكة الرئيسية للرواية، بل وجدت نفسي أعيش في التفاصيل؛ في الشخصيات؛ في أحلامهم وذكرياتهم. اندمجت معهم حتى بت أفتقدهم كلما توقفت عن القراءة. أغفل أثناء رحلتي معهم ليلًا، وعندما أستيقظ في السادسة صباحًا أهرع لمتابعتهم أو للإطمئنان عليهم قبل ذهابي إلى العمل! هنا فقط أدركت أنني قد وقعت في الفخ!
   
     

ليته سأل!

   
هل يمكن أن يعيش الانسان بمعزل عن العالم؟

هذا ما حاول أن يفعله جاك وأسرته عندما وافق على حراسة الفندق الذي يقبع أعلى الجبل خلال فترة الشتاء التي تبلغ ستة أشهر يُغلَق فيه الطريق تمامًا إلى أي مكان آخر بعد أن تغطيه الثلوج تمامًا. لكنه لم يتساءل قبل موافقته؛ هل يمكن أن يكون الانسان هو أسوأ عدو لنفسه؟ هل الأمر يتلخص في رهاب الأماكن المُغلقة؟ هل الفراغ هو الأرض الخصبة لإنبات كل بذور الماضي، لتطرح أوهامًا تدمر حياتنا لتصبح مجرد هشيمًا تذروه الرياح؟
  
لم يُفكّر جاك في مثل هذه الأسئلة من قبل، لكنه واجهها عمليًا خلال فترة عمله في الفندق. ولم يملك للأسف الوقت الكافي للتفكير فيها وسط أجواء كابوسية مرعبة بين أروقة الفندق. جثث تتحرك وأرواح تسكن الغرف ودماء في كل مكان وأشجار تدب فيها الروح.
   
   


    



حينئذ لم يشغله سوى سؤال واحد هل ما يحدث حقيقة أم أنها مجرد ضلالات في عقله، فهل سيعرف الإجابة؟

 هذا المكان المتوحش يجعل الإنسان وحشًا
     

من البطل؟

   
من البطل في هذه الرواية؟
  
جاك الأب الذي يحاول أن يستغل فرصته الأخيرة للنجاح. أم دوني الطفل البريء صاحب البريق المُلغز، أم ويندي الزوجة والأم البائسة التي تحاول إنقاذ بقايا أسرتها، أم فندق الأوفرلوك الغامض؟

نعم إنها بطولة جماعية بامتياز، ولكلٍ دور رئيس في بطولة الآخر. فكل فرد من أفراد الأسرة يحاول تنفيذ مُخططه باستماته وباقتناع تام بنُبل هدفه! لكن كل واحد فيهم لم يجرؤ أن يجيب على تساؤلات دارت داخله أو داخلنا.
  
هل جاك يُحب داني؟ أم نفسه؟ أم الفندق؟
هل ويندي تكره جاك؟ أم تكره أمها؟ أم تكره فشلها؟
هل داني يثق بأبيه؟ أم بأمه؟ أم بتوني؟
  
لن يجيبك ستيفن كينج على هذه الأسئلة، بل يترك الإجابة للقارئ يُشكلّها حسب قدرة خياله في استنباط ما خفي بين السطور. قد نتفهّم صراع الأبطال الثلاثة والذي هو صراع مألوف يقع في أغلب الأُسَر على مر التاريخ، لكن ستيفن عقّد علينا الأمر واختار بطل رابع لروايته، إنه فندق الأوفرلوك!

إن المشاحنات التي خلخلت حياة أسرة جاك وويندي، كانت لها دومًا إطار لا تتعداه، لكن إضافة الأوفرلوك إلى المعادلة أشعل فتيل انفجار غير متوقع!
  
في رأيي الشخصي؛ أعتقد أن الأوفرلوك في ذهن الكاتب هو الظرف أو المكان الذي له عامل لا يُستهان به في إثارة حفيظة البشر، وإطلاق جنونهم من معاقل خفية داخلهم. إنه الحالة المُفجّرة trigger لكل الظنون السيئة والرغبات السوداء وشهوة إلحاق الأذى بالآخرين.
  
جسّد ستيفن كينج فكرته الرمزية وأعطاها دور البطولة، لتصبح البطل الرابع في الرواية. فندق الأوفرلوك كان بطلًا كاملًا مثله مثل الأبطال الثلاثة الآخرين تمامًا، له تاريخ طويل وإن كان أسودًا، مسكون بأفعال مُظلمة خفية، يحاول تنفيذ مخططه باستماته، قادر على إقناع الجميع بنُبل أهدافه ولو كانت وضيعة!

إن كان الفندق هو المكان المناسب لتنفيذ أحطّ نزعات الشر؛ فذلك لن يحدث إلا للإنسان الذي تكمن داخله تلك النزعات الشريرة منتظرة اللحظة المناسبة للكشف عن نفسها، والتي هي لحظة بدء الموسم الشتوي في هذه الرواية.
  
إن السؤال المرعب الذي يصوّره الكاتب هو، إلى أي مدى يستطيع الانسان مقاومة رغباته الشيطانية؟ وهل يمكن مقاومتها حقًا إن سمح لها بالسيطرة عليه؟
      
  

الشخصيات 

   
جاك...

  

الكاتب اليائس الذي يبحث عن القشة التي يمكنه أن يتعلّق بها، لكن للأسف وجد طوق نجاته في الوقت غير المناسب! كُتبت هذه الشخصية بإبداع يفوق الوصف، وقد يعود ذلك إلى أن الكاتب مرّ بمعاناة شبيهة بمعاناة جاك أثناء معاقرة الخمر ورحلته في التخلص منها.
  
يتفوّق ستيفن كينج في رسم الجانب النفسي للشخصية، وكيف يتحوّل تدريجيًا إلى شخص آخر يفقد السيطرة على نفسه، بل وينجح أحيانًا في أن يُقنع القارئ بلا منطقية أفكار جاك، ليجد الحق صار باطلًا، والزيف أضحى الحقيقة الوحيدة المنطقية بكل سهولة!
   

ويندي...
  

    
الزوجة التي تحاول بإخلاص مساعدة زوجها، تتحمّل مسؤولية تُثقل كاهلها الضعيف. تستمد بعض القوة من أمومتها تجاه داني الصغير. ورغم ضعفها الذي اكتشفته وأقرّت به بعض المواقف في الرواية، إلا أن غريزة البقاء تضافرت مع غريزة الأمومة، لتبث فيها جُرأةً لم تعهدها في نفسها، وقوّةً كانت معينها الوحيد لمواجهة لحظات عصيبة في الفندق.
  

داني...
  


  
دوك الصغير هذه الشخصية الجميلة الرقيقة التي ارتبطت بها، وأظن أن أغلب القُرّاء قد أحبوا دوك... ليس شفقة به أو بسبب قدره الذي جعله يجابه ما لا يطيقه بالغ. بل لأن دوكِ يقبع جزء منه بداخل كُل منّا!
    
داني صاحب البريق... تلك المنحة الإلهية التي يملكها، والتي لم يعرف إن كانت نعمة له أم نقمة عليه. لم يعرف إن كان هذا البريق هو البصيرة أم لا. لم يعرف إن كان توني هو روح الخير في الانسان أم لا.  هالوران أخبره بأن التفسير ليس مُهمّا. أما القارئ فاعتبرها مجرد ظاهرة ميتافزيقية تحارب بشكل ما الجانب المُظلم للفندق على استحياء!
   

هالوران...

  
يكفي أن أقول إن هذه الشخصية المظلومة هي شخصيتي المُفضّلة ولن أستطيع أن أكتب عنها كي لا أحرق الأحداث.
  

أولمان...
  
مدير فندق الأوفرلوك الوغد، هذه الشخصية كُتبت بعناية فائقة رغم صِغَر مساحتها في الرواية، إلا أن تأثيرها النفسي عظيم. كرهت هذه الشخصية من كل قلبي، لكنني أعترف أنها رُسمت بحِرَفيّةٍ عالية.
   

الأوفرلوك...
     



   
نعم روح الفندق هو شخصية متكاملة، له تاريخ مثير وضخم ومتداخل، لا أحد يعرف حقيقته وكأنه لصاً محترفًا. بارع في الوساوس التي يتواصل فيها مع ضحاياه، مُداهن منافق مزوّر للحقائق. يقيم الحفلات في الفندق الذي يجتمع فيه ضحاياه الذي يطلق عليهم أصدقائه. وكعادة كل الحفلات الشريرة سُم في عسل؛ فإن طابعها المجون البرّاق والقسوة الناعمة، والبشاشة المُفتعلة. إنه المكان المثالي لأرواح خسيسة ودنيئة وشاذة تسكن في غرف الفندق، وتمرح في قاعات الرقص، وترغب في مزيد من الضيوف.
    
  
  

الوصف كان مُذهلًا

   
نعم أنا رأيت الأوفرلوك، وشعرت ببرودة الثلج، وملأ أفقي اللون الأبيض، وانتابني الخوف من الأشجار المُشذّبة التي على شكل أسد أو أرنب. نعم أنا أعرف أماكن السكاكين كلها في مطبخ الفندق، وأعرف أيضًا مكان الغلّاية التي تحتاج إلى التنفيس دائمًا، بل يمكنني أن أشرح لك كيفية عمل الأنابيب في غرفة التدفئة المركزية. كما أنني صعدت إلى الأدوار العليا بالمصعد، ورأيت جميع الغُرف المُغلقة والمفتوحة. أستطيع أن أدلّك أيضًا إلى قاعة الرقص وأشير لك إلى البار. أما إن شئت أن نأخذ جولة بالسيارة ونهبط إلى القرية القريبة فأنصحك بأن تُسرع قبل أن يبدأ الثلج لعبته المفضلة بإخفاء علامات الطريق.
  
نعم... أنا رأيت كل شيء بسبب الوصف الرائع لستيفن كينج. الكاتب لم يترك تفصيلة واحدة دون أن يجبرك على أن تراها بخيالك.

   


  
  

الصراع الخفي في الرواية

    
نسيج بديع حاكه ستيفن كنج بكل براعة، يدمج فيه قصة اجتماعية أمريكية موجعة، تشتهر بها الولايات المتحدة الأمريكية خاصة في ستينيات القرن الماضي خاصة بعد تحررها الأخلاقي. ويُطرّزه بمشاعر طفولية ندرك معها أنها قد قد تُشكّل حياتنا لاحقًا مهما طال الزمن.

إنها طفولة مدفونة في زوايا مُظلمة داخل كل نفس فينا، مهما اعتقدنا أننا قد نضجنا. مهما اختلفت أعمارنا فإننا نجد في كل تعامل لنا صورة من الماضي، من ذكرياتنا، من فعل أب أو أم أو أخ أو أخت، في عطف أو قسوة، في حُب أو كُره، في مُشاركة أو تنمّر. حسب ماضيك يكون رد فعلك الذي يُفاجئك أنت نفسك. ترى الشخصيات أمامك تُفكّر كثيرًا وتجد نفسك كقارئ تُسقِط أفكارهم عليك، وتسترجع ذكرياتك فإما أن تتنفس الصُعداء على حظك السعيد، أو يوجعك ألم آتٍ من داخلك ظننت بسذاجة أنك قد دفنته منذ أمد بعيد!
  
إن الصراع بين الشخصيات في الرواية ليس إلا انعكاسًا لصراع كل شخصية مع نفسها، فنجد أمامنا نزاعات نفسية مثيرة رسمها ستيفن كينج بعناية. يرسم شخصية ما تقوم بفعل عنيف أو مُشين، وعلى إثرها يخلق مجادلة عنيفة بين جانبي الخير والشر داخل الشخصية، ويستدعي كل جانب منهما ذكريات الماضي ليجدا مُبرراتهما التي يرونها السبب الرئيس في الفعل. بينما تقف الشخصية نفسها حائرة بين الطرفين، يملؤها الشك في كلٍ منهما في محاولة منها لتبرئة نفسها كجانب مُحايد!
   
قد يغفل البعض هذا الجزء الفلسفي الخفي في الرواية؛ حيث خبأ ستيفن كينج أسئلته الشائكة بشكل بارع في النص.

من المسؤول عن أخطائنا؟

هل أفعال الانسان نتيجة لأخطاء الماضي؟

هل يمكن للإنسان أن ينجو بالفعل من آثار تربية خاطئة؟
   
إنني أرى أن هذا الجزء تحديدًا هو جوهر الرواية نفسها، والذي يتمثّل في صراع الانسان المستمر مع نفسه، ومحاولته الدؤوبة لمقاومة ما زرعه فيه آخرون في صغره، ورغبته الدائمة في تغيير وتعديل معاييره تجاه كل شيء من حوله حسب درجة نُضجه وثقافته وتطوّره.
  
لكن الكاتب لم يكتف بذلك، وإنما أضاف بُعدًا جديدًا للصراع النفسي، وذلك بكيفية تأثر الانسان بالمتغيرات التي تدور من حوله، وإلى أي مدى يُمكن أن يدمر الانسان حياته مُتصوّرًا أنه على الطريق الصحيح! فقد دمّرت الخمر حياة جاك، وجعلت استمرار حياته الزوجية على المحك على الرغم من حبه الشديد لأسرته. ورغم محاولاته الصادقة في الابتعاد عنها إلا أن النفس الأمّارة بالسوء لا تدفعه فقط إلى محاولة العودة إلى معاقرتها، وإنما إلى التحريض ضد كل من يقف أمام هذه الرغبة. فتتبدّل المعاني في رأسه، وتتعكّر نوايا الآخرين الحسنة بعكارة الشك، ويتحوّل الأصدقاء إلى أعداء، والاهتمام إلى ترصّد، والسكينة إلى وساوس. يبدأ في تبنّي الأفكار التي كان ينتقدها، ويتراءى له أنها لم تكن بالسوء التي بدت عليه فيما قبل! ولا ينتبه إلى الحريق الذي راح يستعر داخله مُلتهمًا –تدريجيًا- جانب الخير فيه، مُهدّدًا بأن تصبح روحه حالكة السواد!
  
لم يكن الصراع مقتصرًا على جاك، ولكننا أيضًأ نستطيع أن نراه في مأساة ويندي مع أمها، حتى هالوران متورط في صراع مع نفسه.
   
لكن إن كان الانسان الناضج يستطيع أن يتصارع مع نفسه، ويُميّز جانبي الخير والشر، ويملك القدرة على الاختيار، فكيف يمكن للطفل أن يفعل ذلك؟
  
مسكين أنت يا دوك الصغير...
  
فكّرت كم تبدو دوافع وتصرفات الكبار للأطفال مستغلقة وخطيرة كوحوش مفترسة تختبئ في ظلال غابة معتمة.
  
نعرف عن مُعاناة داني الصغير مع والديه الذي يحبهما رغم كل شيء، ونرى ارتباكه في تقييم حُب أبيه، وفي تعلّقه وثقته العمياء به، والتي لم يمنحها لأمه التي تحيطه بكل العطف الذي تملكه. نلمس التشويش الذي يُسيطر عليه كلما حاول أن يجد تناسقًا ما بين ما يشعر به وما يراه بعينيه! إن مُعاناته في الحقيقية هو امتداد لمُعاناة جاك وويندي مع والديهما. 
  


   
الأسرة تُمثّل الزمن، يرسم الكاتب هذه الفكرة فنرى التأثير واضحًا على كل فرد من الأسرة الجد والجدة والأب والأم والطفل. ويطرح احتمالات مشفوعة بنتائج مروعة لكل الأفكار الخاطئة التي يتلقاها الطفل بشكل خاطئ نتيجة إهمال عرضي أو متعمّد من الطرف الأكبر! تُرى هل تكفي كلمات الحُب ليشعر الطفل به؟ أم أنه قادر على تمييز الزيف فيها؟ إن تبرير أفعالنا وأسبابها للطفل مهم، بل مهم جدًا، لأن الطفل لا ينسى؛ هو فقط يختزن الذكرى مُفسّرًا إياها بشكل خاطئ في الغالب، لتظهر يومًا ما في صورة تكرار للفعل بشكل قسري في كثير من الأحيان.
   
   

الترجمة - شُكرًا إيمان حرز الله

   
   
كنت أعتقد أنني لم أقرأ للمُترجمة إيمان حرز الله أي رواية مترجمة لها سابقًا، لكنني فوجئت أنني قرأت لها النسخة العربية من رواية كافكا على الشاطئ للكاتب هاروكي ماروكامي. ومن يقرأ مراجعتي لرواية كافكا على الشاطئ سيعرف أن أكثر ما أمتعني فيها هو السرد.
  
إن كان السرد هو البطل الأول في رواية كافكا على الشاطئ، فإن السرد هو الضمان الوحيد لإعجابك برواية البريق لستيفن كينج. وإن لم يندمج القارئ مع السرد فستتوه منه المعاني وتضيع معه رحلته.
  
إيمان حرز الله كانت رائعة في ترجمتها للروايتين. عندما بدأت في قراءة البريق وجدت بعض الكلمات التي ترجمتها المُترجمة حرفيًا، وهذا لا يعجبني في المعتاد لأنه في كثير من الأحيان لا تقدم الترجمة الحرفية المعنى الصحيح المفترض وصوله للقارئ. لكن بعد اندماجي مع النص أدركت أن قرار المُترجمة كان موفّقًا في نظري؛  لأن اللغة الإنجليزية بالأساس لغة مُسطحة في نسختها العصرية (لا الكلاسيكية) وبالتالي هي لا تعتمد على الاستعارات أو الصور البلاغية، كما أن اللغة التي استخدمها ستيفن كينج في الرواية هي أقرب إلى لغة الشارع أو الأفلام (أتحدث عن الحوارات). وهكذا أصبح من السهل عليّ معرفة النص الأصلي للحوار واستحضار نُطقه في ذهني فيكون واقعيًا.

لكن هناك فقط مشكلة في اختيار اللفظ العربي للكلمة الرئيسة في الرواية وهي التي يراها دوني في منامه، وذلك لأنها لا تناسب تركيب الحروف المعكوسة مثل الإنجليزية (لا أريد الإفصاح عن الكلمة لعدم حرق الأحداث)، لكنني اطّلعت على عدة مناقشات للمُترجمة والتي صرّحت فيها أنها تدرس مع دور النشر بناء على بعض آراء القُرّاء تعديل الكلمة في الطبعات القادمة.
  
الترجمة كانت حقًا ممتازة، أبدعت فيها إيمان حرز الله. كما أن عنايتها باختيار الألفاظ والكلمات يدل على أنها أخلصت للنص الذي ظل مُهملًا لفترة طويلة من المترجمين العرب. فشُكرًا إيمان على هذه الترجمة الراقية وعلى فكك لأسر هذه الرواية الممتعة.
   

رمزيات محتملة

    


خطر في عقلي بعض الأسئلة التي لا أعلم إن كان الكاتب قد كتبها بشكل رمزي أم لا، لكنها تظل أسئلة جديرة بالتأمل.

هل الفندق المسكون بأرواح / أفعال شريرة، هل يرمز إلى الانسان المسكون بأفعاله الشريرة؟ 

هل تنفيس الغلّاية الذي كان لازمًا من أجل سلامة الأوفرلوك، هل يرمز ذلك إلى أهمية تنفيس الانسان عن غضبه وضيقه؟

هل التهاون في عدم التنفيس سيدفع المرء في النهاية إلى الانفجار؟!
   


الفيلم - لماذا كره ستيفن كينج فيلم The Shining؟

   

  
لماذا كره ستيفن كينج فيلم The Shining ؟ ولماذا نشأت الحرب الكلامية بينه وبين المخرج ستانلي كوبريكStanley Kubrick ؟
  
شنّ الكاتب ستيفن كينج Stephen King  هجومًا ضاريًا على الفيلم عقب صدوره عام 1980، ووجّه انتقادات حادة لقرارات المخرج ستانلي كوبريك. حتى أنه وصف الفيلم بعبارته الشهيرة " أنه مُبهر كسيارة كاديلاك رائعة لكنها بدون مُحرّك." كان نقده عنيفًا حتى أن الشركة المُنتجة للفيلم والتي اشترت منه حقوق تصوير الرواية طلبت منه رسميًا التوقف عن انتقاد الفيلم في وسائل الإعلام كي لا يؤثر على المبيعات.
  
إلا أن سخط الكاتب الشديد لم يفارقه للحظه رغم مرور سنوات طويلة، حتى جاء عام 1997 وقام ستيفن كينج بشراء الحقوق المرئية لقصته مرة أخرى من ستانلي كوبريك، وقام بالاتفاق مع شركة ABC وأعاد إنتاج الرواية في شكل مسلسل قصير من ثلاث حلقات من إخراج مايك جاريز Mick Garris. المسلسل كان مُخلصًا جدًا للرواية وهذا أرضى الكاتب ومُحبي الرواية بكل تأكيد، لأن المسلسل القصير كان تحت إشراف ستيفن كينج نفسه، لهذا فقد حرص على وجود كل التفاصيل، علاقة الأب والأم المضطربة، تباين مشاعر داني بين أبيه وأمه، الحيوانات الشجرية، الغلّاية، أولمان التافه، هالوران الممتع، الأوفرلوك المهيب، لكن للأسف لم يكن الأداء التمثيلي جيّدًا في المسلسل مقارنة بأداء جاك نيكلسون Jack Nicholson المذهل في نسخة الفيلم. وبالتأكيد المؤثرات البصرية والسمعية والإخراج بشكل عام أفضل بكثير في نسخة الفيلم عن المسلسل، بسبب عبقرية المخرج كوبريك. 
   


     

إن كنت قد شاهدت فيلمThe shining  المُقتبس عن الرواية؛ وقرأت الرواية أيضًا، فأنت تعرف جيّدًا بأنك لن تجد في الفيلم أيًا من التفاصيل التي ذكرتها في مراجعة الرواية، لن ترى أي أسئلة خفية، لن تفهم سبب صراع جاك الحقيقي مع نفسه، ولن ترى في ويندي سوى سذاجة بائسة، ولن تدرك عُمق شخصية داني الصغير، لن تجد في الأوفرلوك هيبته. مع نهاية الفيلم؛ في الغالب ستجد نفسك كارهًا لشخصية داني، وستكره المخرج ستانلي كوبريك بسبب شخصية هالوران على أقل تقدير.
  
إن كنت قد قرأت الرواية ولم تشاهد الفيلم بعد، فأنصحك بألا تفعل، وإن أصررت فأرجو ألا ترفع سقف توقعاتك، لأنك لن تجد سوى شخصيات باردة -باستثناء جاك- مُسطّحة تتصرف بلا أي دوافع، وستتلاحق المشاهد أمامك بشكل متلاحق ومُختزل المعنى، فالمشاهد دون التفاصيل التي قرأتها في الرواية هي مجرد لوحات سيريالية غير مفهومة! ومن المحتمل أنك ستبدأ في فقدان أعصابك تدريجيًا بسبب التجريد الواقع على الأحداث أمامك، وإن تمالكت أعصابك طوال فترة الفيلم، فلا أظن أنك ستستطيع أن تمنع نفسك من الصراخ بغضب قُبيل النهاية.

السبب الوحيد الذي قد يدفعك إلى مشاهدة الفيلم هو الاستمتاع بمشاهدة أداء الممثل العبقري جاك نيكلسون الذي قام بأداء دور البطل جاك تورانس. أداء يفوق الوصف يُجسّد فيه اضطراب الشخصية التدريجي وإن كان لا يُفهم له سببًا واضحًا في الفيلم!


  
رغم كل ذلك إلا أن الفيلم حقق شهرة هائلة في تلك الفترة (الثمانينات)، وإن كان الأداء الرائع لجاك نيكلسون عاملًا أساسيًا في هذا النجاح، إلا أنني أرى أن نجاح الفيلم في تلك الحقبة يعود إلى أنها كانت فترة فيها صناعة أفلام الرعب تحديدًا ضعيفة الحبكة تعتمد على بعض الإثارة البصرية والسمعية دون الحاجة إلى قصة مُتكاملة، ودون التعمّق في الأحداث. وأعتقد أن الفيلم إن قُدِّم في هذه الأيام بنفس الرؤية السنيمائية فإنه سيفشل بجدارة، نظرًا لتطوّر ذائقة المشاهد وتطوّر العمل الدرامي بشكل عام والتركيز على تفاصيل الأحداث وعُمق الشخصيات، وهذا يُلاحظ باتجاه الكثير من شركات الإنتاج في الفترة الأخيرة إلى المسلسلات القصيرة ذات العشر أو الثمان حلقات بدلًا من إنتاج الأفلام.
   

الإعلان الترويجي لفيلم البريق The Shining 1980

   
  
الإعلان الترويجي للمسلسل القصير البريق Stephen King’s The Shining – miniseries 1997



   
  

التقييم النهائي

  



لا أستطيع تصنيف الرواية تحت أدب الرعب، ومن الظُلم أن أصف الكاتب ستيفن كينج بأنه كاتب رعب، هذه الرواية رواية اجتماعية عميقة تستمد قوتها من بقايا تعيش في داخل كل قارئ سواء إن كانت في شكل ذكرى مؤلمة أو مخيفة، أو حتى ذكرى مُبهمة!

هذه الرواية رائعة وتستحق القراءة.
   
تقييمي للرواية 5 من 5

    
   
أحمد فؤاد
10 نيسان أبريل 2020
تعديل المشاركة
author-img

أحمد فؤاد

تعليقات
    7 تعليقات
    إرسال تعليق
    • Haifa photo
      Haifa4/10/2020 8:39 م

      كنا بالانتظار ...

      إرسال تعليقحذف التعليق
      • Haifa photo
        Haifa4/10/2020 8:41 م

        اشتريت الرواية بناء على اختيارك والآن بعد المراجعة سوف استمتع بالقراءة

        إرسال تعليقحذف التعليق
      • Sam Ahmed photo
        Sam Ahmed4/11/2020 7:39 م

        شفت الفيلم طبعا بعد انبهاري بالجزء التاني Dr.Sleep اللي كتبه ستيفن كنج في 2013 بعد 36 سنة من كتابة Shining وهي انجح ثنائية سينمائية لستيفن كنج تم انتاجها يليها فيلم It بنسخته الحديثة بس للأسف مقرتش الروايتين.
        مراجعتك اكتر من ممتازة وادعوك لقراءة الجزء التاني الاكثر نضجا في كل عناصر ادب الرعب.
        واؤيدك في نقطة الترجمة فعلا ايمان حرز الله كانت موفقة في النص العربي لكافكا علي الشاطيء

        إرسال تعليقحذف التعليق
        • Ahmad Fouad photo
          Ahmad Fouad4/12/2020 2:02 م

          لم أشاهد فيلم Dr. Sleep بعد، لكن أتحفّظ على أن النسخة الحديثة فيلم الشيء IT أفضل من النسخة القديمة، والتي أراها أفضل بعد أن قارنت بين النسختين.

          بإذن الله سأقرأ رواية Dr. Sleep فور صدورها - هي تُرحمت بالفعل إلى العربية.

          وأخيرًأ... صدقت ترجمة إيمان حرزالله كانت رائعة في كلتا الروايتين

          حذف التعليق
        • Afaf Bouagada photo
          Afaf Bouagada4/12/2020 6:04 م

          حقا استمتعت بكل جملة في المراجعة. وكأنني كنت في رحلة أثناء قراءتها. مراجعة شاملة ولا ينقصها شيء. أكثر شيء أحبه في مراجعة الروايات ـ والأفلام حتى ـ هو التطرق للشخصيات ووصفها من الجانب السيكولوجي. أرى أنك وُفقت في الأمر دون حرق الأحداث. كان بودي قراءة بعض الاقتباسات التي توضح اهتمام الكاتب بالتفاصيل. فقرة أو اثنتان فقط لأخذ فكرة عن الأسلوب.

          إرسال تعليقحذف التعليق
          • Ahmad Fouad photo
            Ahmad Fouad4/19/2020 2:25 م

            أشكركِ عفاف على تعليقكِ الجميل، وسعدت باستمتاعكِ والذي يضفي قيمة على مراجعتي بكل تأكيد .

            بالفعل أنا أحب التطرق للجانب النفسي للشخصيات كوني أحب علم النفس.

            كما أنني أحرص دومًا على عدم حرق الأحداث وكشفها للقارئ.

            بخصوص الاقتباسات... صدقيني حاولت ولك أستطع إيجاد واحد.. لكن تستطيعين الإطلاع على الغلاف الخلفي وهو متوفر على موقع جوود ريدز، به صفحة كاملة من داحل الرواية.

            كل الود
            أحمد

            حذف التعليق
          الاسمبريد إلكترونيرسالة