U3F1ZWV6ZTI4MTk2MTU0NzE5X0FjdGl2YXRpb24zMTk0MjM1MzE2MzE=
random
أخبار ساخنة

مُراجعة رواية جنتلمان في موسكو


  
إن كانت أيام قراءة رواية جنتلمان في موسكو قد ولّت، فذلك مدعاة لأسفنا نحن.
  




رحلتي مع الرواية

هل انتهت رحلتي مع الكونت ألكسندر إليتش روستوف حقًّا؟ أشُك... أحسبها قد بدأت للتو!

مهما كان جمال نهاية أي رحلة نقوم بها، نظل نحمل الكثير من الحنين إلى بداياتها، ونفهم مُتأخرًا أن روعة الرحلة تكمن في مُعايشتنا لها وأُلفتنا معها!

نعم أعترف بأنني فُتِنت برحلتي هذه، وعشت مع أبطالها وكأنني معهم، حتى أنني اكتشفت أن صباحاتي الباردة صارت تبدأ بعشرين تمرين قرفصة وعشرين تمرين إطالة، وبأن أيامي حُرِص فيها أن تكون فيها حبّة فاكهة كحد أدنى!

أعترف أيضًا بأنني مازلت أسبح في أثير الرواية؛ لا أجد مهربًا منها، ولا أظنني أريد أن أهرب بالأساس! وإلى أي مكان أرحب من غرفة ساشا أستطيع أن أهرب إليه؟ غرفة جاء إليها العالم وذهب!


يجوب الناس العالم من أجل البحث عن ثراء روحي وفكري، بينما ينجح الكونت في أن يجعلنا نرى معه هذا الثراء داخل أربعة جدران. إننا نفهم هنا أن إحساسنا بالمكان يماثل إحساسنا بالزمن. تمر الساعات في ثوانٍ أثناء لهفتنا، بينا تمر الدقائق بسرعة السُلحفاة عندما يصيبنا الملل.
  
بنفس المبدأ اتسعت غرفة من تسعة أمتار لتحوي الكونت وإميل وأندري وفاسيلي ومارينا وآنا وصوفيا. بينما كان أصحاب الأجنحة الشاسعة المساحة يشتكون من ضيق صدر، ويتحدثون عن حاجتهم إلى السفر أو استنشاق الهواء بالخارج بعدأن ضاق عليهم المكان!

إن الزمن لا تتغيّر وتيرته، بل يتغيّر وقعه علينا، والمكان لا تتبدّل مساحاته، وإنما يتبدّل إحساسنا بها! المعادلة ثابتة مُتغيّرها الوحيد نحن! أرواحنا هي ما تعبث في المعادلة فنرى الكبير صغيرًا ونرى القبيح جميلًا، والعُسر نعمة!

وعندما يكون الكونت روستوف هو العامل المُتغيّر، إذن فبلا شك ستصبح كل مُعادلات العالم مُبهجة!
 


لماذا الكونت؟





الكونت الذي جمع بين أصول اللياقة وبين الإيمان بالقضية وبالمشاركة بالسلاح. إقطاعي نبيل على طريقة دون كيشوتية حالمة. أمير تحكمه المُثل الأخلاقية الحكيمة في عصر كان يتعامل بها كقناع يداري به بشاعة أفعاله. نبله كان سببًا أن في أن يبلغ به الحماس الحالم لأن يعود من فرنسا إلى روسيا (آيدل آور) بمجرد علمه بإعدام القيصر من أجل مشاركة بلده تلك اللحظة التاريخية. ليجد أن روسيا لم تعد روسيا التي يعرفها، وبأنه صار في عصر جديد يتم اتهام الفرد بذنب فصيل، ويُحاكم المرء على مجرد تعاطفه بنفي قسري أو برصاصة تقتل وجهة نظره.

بدأت الرواية من تلك اللحظة تحديدًا في مُفارقة مدهشة لن يتم الكشف عنها إلا قُبيل النهاية.

"أين هو الآن؟" القصيدة التي كانت طوق النجاة لكُلَا من الكونت وميشكا من الموت المُحقق، وليُأصّل الكاتب فكرة قانون الحياة المبني على تفاصيل صغيرة نعتقد أنها مجرد مصادفات، إلا أننا نُدرك – إن كُنّا محظوظين بأن ندرك ذلك في حياتنا- أن الحياة ليس فيها مجال للمصادفات، وأن القدر مخطوط ضخم أكبر من قدرتنا على استيعاب أسباب تقلّباته المُفاجئة.
  
لهذا كان الكونت أليكسندر أكثر رجل محظوظ في عموم روسيا عندما حُكم عليه أن يكون منبوذًا!
  
روستوف: لطالما آمنت أن الرب وحده هو المُطّلع على عزم الرجال.
   

في القرن الثامن عشر، كفّ القياصرة عن طرد أعدائهم خارج البلاد، وآثروا بدلًا من ذلك إرسالهم إلى سيبيريا. لماذا؟ لأنهم قرروا أن نفسي رجل من روسيا كما نفى الرب آدم من جنّة عدن ليس بالعقاب الكافي؛ ففي بلد آخر قد يُغرق الرجل نفسه في العمل، ويبني بيتًا ويُنشئ أسرة. أي أنه قد يبدأ حياته من جديد. لكن عندما تنفي رجلًا داخل بلده، فلا وجود لبداية جديدة. 

  
  
تسلّح أليكسندر بنصائح ذهبية من أبيه وجدّته الكونتيسة والتي أعانته على البقاء قويًا رغم كل الظروف التي مرّ بها، تعلّم ضرورة تقبّل الهزيمة لكن عن طريق مواجهة مصائبه بكل شجاعة رغم الألم الداخلي التي تتسبب فيها.

امتثل لنصيحة جدته "ما من كلمات لطيفة تُقال عن الخسارة، لكن لماذا تمنحه متعة التشفّي؟"

ونصيحتي أبيه "إن الانسان إذا لم يقهر ظروفه فحتمًا ستقهره ظروفه"

"أكبر دليل على الحكمة أن يحافظ المرء على بشاشته مهما حدث؟"

فبقيت تلك النصائح محفورة في وعيه إلى آخر عمره.
   

استعان الكونت -أيضًا- في وحدته بمُجلّد ضخم للكاتب الفرنسي الشهير ميشيل دي مونتين، وكأنه يستلهم من حكمته التي كتبها أثناء عزلته التي فرضها ذلك الفرنسي على نفسه في القرن الخامس عشر.
   
قالوا كثيرًا أن العزلة تمنح ممارسها الحكمة، لأنه ينفصل عن الواقع مما يجعله ينظر إلى الأشياء من حوله بمنظور مُجرد غير ضالع فيه. ويبدو أن الكونت روستوف كان مثالًا حيّا على هذه المقولة
  
لكن لماذا نشعر في كلماته بأن فيها بعضًا منّا؟ بل الكثير جدًا منّا!
  
  
عندما تصل إلى عُمرنا يا فاسيلي، يسير كل شيء بسرعة كبيرة، يُهيأ لك أن مواسم كاملة تمر دون أن تترك أدنى أثر على ذاكرتنا.
  

ثمة حقيقة حزينة؛ أننا كلما تقدمنا في السن صغرت دوائرنا الاجتماعية، سواء عن زيادة في التعوّد أو نقص في الهمّة، نجد أنفسنا فجأة في صحبة عدد قليل من الوجوه فحسب.
  
لو كان الصبر سهلًا لما سُميّي فضيلة
  
عندما يشعر المرء بالحنين إلى الديار سيجد عزاء أكبر في تلك القصص الصغيرة اللطيفة التي سُردت ألف مرة من قبل.
   
   
  

شخصيات مؤثرة



  
يكشف القدر عن شخصيات تتناوب الدخول في حياة الكونت، تبدو في البداية أنها ذات تأثير إيجابي قوي، أو تأثير سلبي عنيف، أو أن ليس لها أي تأثير على الإطلاق. إلا أن ذلك لا يحدث، لا توجد مبالغات في الحياة، كل شخصية لها سبب في الدخول إلى حياتنا، لها تأثير كأثر الفراشة؛ بسيط ضعيف لكنه حثيث منتظم، فقط ينتظر اللحظة الحاسمة للظهور!
  

أكاد لا أفهم كيف تتداخل العلاقات الإنسانية في حياتنا أو في حياة الكونت؛ هل كانت الشخصيات المتمثلة في الأصدقاء والزملاء والحبيبات هم من أثّروا على الكونت، أم أنه هو من أثّر فيهم فغيّر حياتهم.
  
   

حين أنظر إلى الوراء، يبدو لي أن هناك أناسًا يلعبون دورًا أساسيًا في كل منعطف، ولا أقصد فقط النابوليونات الذي يؤثرون على مسار التاريخ؛ أقصد رجالًا ونساء يظهرون بشكل روتيني في المنعطفات الحاسمة، وكأن الحياة نفسها قد استدعتهم مجددًا للمساعدة في تحقيق هدفها.
   
  
لا شك أن هناك لحظات أخذَت فيها حياتك ما يشبه قفزة إلى الأمام؛ ولا شك أنك تنظر إلى تلك المحطات باعتداد وفخر. لكن ألم يكن هناك حقًا طرف ثالث يستحق ولو نزرًا يسيرًا من العرفان؟ مُرشد ناصِح، أو صديق للأسرة، أو زميل دراسة أعطى نصيحة في أوانها، أو عرَّفك بشخص ما، أو تحدّث عنك بكلمة طيبة؟
   
   

نينا كوليكوفا
  
نينا الطفلة التي أثّرت في حياة الكونت وجعلت لها معنى وطعمًا ورائحة، نينا الفتاة التي لديها طموح جامح في التجربة والبحث، نينا المناضلة المؤمنة بقضية شعبها أكثر مما يحتمل الأمر حتى بالنسبة لرؤسائها. نينا القويّة التي لم تتغيّر إرادتها الصلبة، وذهبت إلى آخر الدنيا لتفعل ما ينبغي عليها فعله بنفسها. نينا التي وهبت الكونت سببًا جديدًا للحياة وكأنها أرادت أن تُخلّد اسمها في روحه إلى الأبد.
  

أحيانًا يقول لك الجميع شيئًا ما لأنهم الجميع، لكن لماذا يجب على الشخص أن يُنصت للجميع؟ هل الجميع كتبوا الأوديسة؟ هل الجميع كتبوا الإلياذة؟
  
  

صوفيا... صوفيا... صوفيا
   
أي ثلاثية من ثلاثيّاتكِ التي تحبين لعبها يا صوفيا تستطيع أن تصفكِ؟

 بريئة رقيقة يانعة؟ جميلة عذبة ساحرة؟ رزينة شجاعة دمثة؟

صوفيا ذات العينيان الزرقاوتان الرائعتان، صوفيا التي تفترض أن كوكب الأرض حسن النيّة حتى وإن كان ينحرف في دورانه من حين لآخر.

صوفيا... تلك الشخصية الناعمة التي كانت أعظم ما حدث في حياة الكونت بالمتربول، بل في حياته بأكملها. الشخصية التي بثّت كل الجمال في عالم الكونت، فغيّرت مشاعر وأحاسيسه إلى الأبد.

صوفيا... الزر الذي بقي في علبة خاصة بجيب الكونت خشية أن تدنّسه الحياة. تمامًا مثل كل أب!
   
  
 أؤكد لكِ يا عزيزتي أنكِ لو عزفتِ على البيانو فوق سطح القمر فسوف أسمع دقة كل وتر.
   

رغم كل الهواجس المصاحبة لتنشئة طفلة حول الواجبات المدرسية والفساتين والسلوكيات – تظل مسؤولية الأب في نهاية المطاف غاية في البساطة: توصيل الطفلة بأمان إلى البلوغ حتى تستطيع أن تحظى بفرصة لعيش حياة هادفة وبمشيئة الله هانئة.
  
  

ميشكا – أوسيب – ريتشارد
    
إن كنت أتمنى صديقًا فبالتأكيد سيكون الكونت روستوف أول أمنياتي، فما أجمل الصداقة في عيون ذلك الرجل، انسان يؤمن بالصداقة بشكل مُهبج وعميق ورومانتيكي. يؤمن بالتضامن والإخاء والمودّة والولاء.

فقط عندما أحاول أن أصف الصداقة يكفيني أن أتأمّل نظرة الكونت لها، وكيف يتعامل مع أصدقائه بهذه المشاعر الفطرية.
  
  
عندما يتعرض الرجل للتهوين من قدره من قبل صديق، يحق له أن يشعر بالإهانة -إذ إن أصدقاءنا هم الذين يجب أن يهوّلوا من قدراتنا. يجب أن تكون لديهم آراء مبالغ فيها عن صلابتنا الأخلاقية، وحساسياتنا الجمالية، وقدراتنا الفكرية. بل يجب عليهم عمليًا أن يتخيلونا ونحن نقفز من نافذة في اللحظة الأخيرة حاملين أعمال شكسبير في يد ومسدس في الأخرى!
  

 قد يتعجب البعض كيف لرجلين تعارفا قبل أربع سنوات فحسب أن يعتبرا نفسيهما صديقين قديمين، لكن سلطان الصداقة لا يحسب بمرور الزمن. كان هذان الاثنان ليشعرا بأنهما صديقان قديمان لو تقابلا قبل بضع ساعات فحسب.
   
   

آنا أوربانوفا
  
الممثلة ممشوقة القوام صاحبة الكواكب والمُذنّبات، تلك الشخصية التي تختزل صراع روسيا الداخلي في تعاملها مع الإعلام والشخصيات العامة. تلك الشخصية التي تتشابك فيها الصفات الإنسانية بشكل مؤلم وجميل وشجاع في ذات الوقت!
  

آنا أوربانوفا صاحبة الانطباعات الثانية، فهي أبدًا لم تكن بطلة الانطباعات الأولى رغم براعتها في التمثيل!

اعترفت هي نفسها بذلك في رسالتها:
  

من فضلك امنحني فرصة ثانية لانطباع أوّل
  
وأدرك الكونت ألكسندر لاحقًا ذلك عندما أيقن حقيقة حكيمة مفادها:

في نهاية المطاف ماذا يمكن للانطباع الأول أن يقوله لنا عن شخص قابلناه للتو لدقيقة واحدة في بهو فندق؟ بل ماذا يمكن لانطباع أول أن يقوله لنا عن أي شخص؟ بالطبع ليس أكثر مما يقوله لنا وترٌ عن بيتهوفن. أو ضربةُ فرشاة عن بوتشيللي.

  
إن البشر بطبيعتهم متقلبون للغاية، متناقضون على نحو مبهج للغاية، الأمر الذي يتطلب ليس فقط التدبّر، ولكن إعادة التدبّر -والإصرار العازم على تأجيل رأينا إلى أن تتداخل معهم في كل موقف ممكن في كل ساعة ممكنة.
  
  

آنا بتغيّراتها الحادة والمتناقضة، والتي تخلّت عن عنادها على أعتاب جمال روحها بعد أن ألهمها الكونت بألَقِه كعادته مع من يدخل حياته. باتت آنا هي شخصيتي المفضلة في الرواية.
  



المتربول البويارسكي البِياستا
إميل – أندري - فاسيلي -مارينا
   
أرغمت الإقامة الجبرية للكونت بفندق المتربول أن يرى كل ركن في الفندق بشكل مُختلف، ابتداءً بمكتب الاستقبال مرورًا بقاعات الطعام والبارات ومحل الحلاقة وحتى أماكن التخزين وسطح الفندق. وأن يلاحظ كل التغيرات التي تطرأ على كل هذه الأماكن بمرور الزمن. ولأن ذلك جعله مندمجًا بالفندق كوطن بديل، فكان من الطبيعي أن يشعر بأن جميع العاملين هم أهله وأسرته.
   
  
تشبه تجربة الكونت في رواية جنتلمان في موسكو؛ تجربة اللاجئ الإيراني مهران كريمي ناصري الذي اضطر للعيش في المطار لمدة 18 عام، والذي أطلق على نفسه لقب "مواطن مطار شارل ديجول"، وهي التجربة التي استلهم منها ستفين سبيلبيرغ فكرة فيلمه الشهير The Terminal من تمثيل الممثل العالمي توم هانكس، وهو  يحكي عن قصة مواطن أوروبي شرقي، يُصادف أثناء وجوده في المطار خلال رحلة له، أن يتوقف الاعتراف بدولته بعد سقوطها سياسيًا، وعليه فلا يُعتَرف بجواز سفره، ولا يُسمَح له لا بالدخول إلى أراضي البلدة التي يوجد بها المطار أو حتى العودة من حيث جاء. فيضطر إلى الإقامة في المطار ويصبح العاملين أصدقاء له.
  
يكمن الجمال في مثل هذه القصص المتشابهة في كيفية التأقلم على مصائب الحياة التي تواجه المرء فجأة، وعن قدرة الانسان على تحويل حياته إلى حياة أفضل عند التحميص في بعض العلاقات الإنسانية التي لا ينتبه إليها المرء في حياته الاعتيادية.
  
لكن تجربة الكونت في المتربول بكل تأكيد كانت أكثر ثراءً وأعظم عُمقًا. فمع زياراتنا اليومية للبويارسكي نكتشف أنه لم يعد مُجرد صالة طعام، بل مقر من أجل تهيئة مزاج المرء كي يكون إيجابيًا، سواء كان اللقاء في البويارسكي من أجل عقد صفقة أو اجتماع سياسي أو عاطفي أو رياضي، أو حتى كان لقاء فردًا مع نفسه على الغذاء!
  

   

نعيش في البويارسكي، ذلك المكان الذي يجبر مُرتاديه أثناء زيارتهم له على الانفصال عن الحياة خارجه، بموسيقاه الفخمة ولباقة نُدُله (جمع نادل) وأناقة أثاثه المُبهر. تجبر أجواءه -أثناء التهام أطعمته الشهية التي طُهيت تحت رقابة صارمة- مُرتاديه على الابتهاج، وإلقاء كل ما يُعكّر أمزجتهم وراء ظهورهم.
   
وعلى مقاطع الموسيقى الروسية الخالدة التي تتسلل نغماتها إلى آذاننا لتعبث في مشاعرنا؛ تسترخي نفوسنا وتتباطئ وتيرة الزمن وكأنه يسير بالحركة البطيئة، كي نستطيع استكشاف أسرار دفء استقبال الزائرين، واحتراف فنون الطهي. قد تبدو هذه التفاصيل الصغيرة غير مهمة على الإطلاق، لكننا سنرى كيف أن تفصيلة بسيطة مثل تنظيم طريقة جلوس المدعوين قد تتسبب بأزمة دبلوماسية أو معركة سياسية طاحنة!
  
بعد العشاء يصحبنا الزائرون إلى البياتسا الذي لم يكن أبدًا مجرد مقهى أو بارًا، بل كان عالمًا مُصغّرًا من روسيا يجمع كل أطيافه، بل شُيّد ليكون -رغم ابتعاده عن أُبّهة البويارسكي- ساحرًا يستمد جاذبيته من تلاحم الجميع والبعد عن الأرستقراطية ليضمن توازًنا ما في عالم متداخل الطبقات.
   

فقط من يفهم كل تلك المعطيات يستطيع أن يكون واحدًا من عائلة المتربول المُتحابة والتي انضم إليها الكونت وآنا وصوفيا لاحقًا. في عائلة دافئة المشاعر مثل هذه يصبح العمل رائعًا لأنه يتحوّل إلى إنجاز شخصي لكل واحد منهم، كجزء من حياتهم لا يمكن الاستغناء عنه. أما من لا يفهم تلك المعطيات فلا يُمكن أن يكون فردًا من العائلة مهما طال به الزمن، حتى ولو عاش بالقرب منها طويلًا مثل شخصية الأسقف.
   
هكذا يشعر القارئ بالألفة مع إميل – أندري - فاسيلي -مارينا، تتحوّل معهم وظائف يراها البعض متواضعة إلى أعمال غير اعتيادية تحتاج إلى أشخاص مُبدعين ليتحوّل ما يصنعونه إلى شيء فاتن يجبر المرء على احترامهم. فالطبّاخ يقوم بدور المايسترو في مطبخه، وموظف الاستقبال يقوم بدور السياسي البارع مع الزائرين، والخيّاطة تقوم بدور الساحرة التي تمنح سندريلا فستانها، بينما يقوم النادل برسم أحلام زبائنه.
  


    
   

اقتباسات

  
  
لكن التجارب قلّما تُعلّمنا كيف نودّع ممتلكاتنا العزيزة. وإن علّمتنا؟ ما كنا لنرحب بهكذا توعية. فنحن في نهاية المطاف نتشبث بممتلكاتنا العزيزة أكثر مما نتمسك بأصدقائنا. ونظل نسمح لذاكرتنا بأن تضفي عليها أهمية أعظم فأعظم. إلى أن نتخيّل أن تلك الممتلكات المُصانة بعناية قد تمنحنا سلوانًا حقيقيًا إزاء صاحب فقدناه!
  

الفتيات يمتن من كسرة القلب في الروايات فقط يا تشارلز.
  

 لكي يتذكروا، علينا أن ننسى! لكن هل علينا أن نستاء من تلك الحقيقة؟
    
هناك فارقًا بين الاستسلام لوضعٍ ما والتصالح معه.
     
إن حيواتنا تُسيّرها المخاوف؛ مخاوف كثيرة منها مزعج أو حتى مروّع، لكن إذا ثابرنا وحافظنا على نقاء قلوبنا، قد ننال لحظة صفاء فائق، لحظة نرى فيها كل الوقائع التي وقعت لنا وهي تتخذ أماكنها في المسار الضروري للأحداث، بينما نضع أقدامنا على أعتاب حياة جديدة جسور طالما تمنيّناها.
  

إذا غاب المرء لعقود عن مكان يحمل له معزّة خاصة، فمن الحكمة عمومًا ألا يرجع إليه ثانية قط.
   


المسرّات التي تُفلت مِنّا في الصِغر؛ كثيرًا ما نزدريها بلا اهتمام في المُراهقة، وننشغل عنها نوعًا في البلوغ، لكنها تُبقينا أسرى لها إلى الأبد.

   
لكن ما مِن نصيحة مهما ضربت بجذورها في التاريخ تناسب الجميع.
  
فالمرايا التي يُفترض أن تكون أدوات لاكتشاف الذات، كثيرًا ما تصبح أدوات لخداع الذات.
   
ما من أرواح متعاطفة أكثر من الغرباء.
   
 
  

الترجمة






ترجمة إيهاب عبد الحميد كانت أكثر من رائعة، لغة سلسة ممتعة مُعبّرة أنيقة... تتلوّن حسب الموقف فتراها حالمة تارة صارمة تارة ساخرة تارة أخرى.

ولعلّ ذلك ليس بغريب على إيهاب عبد الحميد، والذي ترجم من قبل روايات خالد الحسيني – عدّاء الطائرة الورقية، وألف شمس ساطعة.

الترجمة تستحق الشكر على إكمال عمل إبداعي رائع.
  
  
   

ملحوظات على الرواية

  
ملحوظة 1: راق لي بشدة تناول الكاتب البديع لتصوير العلاقات الحميمية، لأول مرة منذ زمن بعيد لم أر ألفاظًا خادشة للحياء أو وصف مُخجل أو سرد وقح لتفاصيل جنسية. بل قام بكل سلاسة بالكتابة بشكل متوارٍ باستخدام صور جمالية مستترة عذبة. حتى أنني لم أصدق في البداية أن تستمر الرواية على هذا النهج.
  
تمنّيت أن يتعلّم الروائيّون العرب من هذا الكاتب طريقته الأنيقة في الوصف بدلًا من اتباعهم لأسلوب الوصف الفاحش تيمّنًا بمشاهير الرواة الغرب ظانين أنه عامل رئيس في إنجاح الروايات. وها هو آمور تاولز ينجح في أن يحقق بروايته نجاحًا ساحقًا دون الانزلاق في هوّة حضيض البذاءة.
  
فشُكرًا للكاتب الذي جعل حواسنا تستيقظ وخيالنا يستعر بمجرد وشيش رقيق.
   
  

ملحوظة 2:  اكتشفت فجأة أن معظم المقطوعات الموسيقية الجميلة الموجودة في ركن ما منزوٍ في عقلي، أصلها روسي! ورغم أنني لم أكن أعرف أسماء مؤلفو تلك المعزوفات، وبعد بحث بسيط أصبحت أعرفهم بل وقد قضيت قراءة النصف الثاني من الرواية في حضرة معزوفات تشايكوفسكي وليتفينوفسكي ورخمانينوف.

   
   
  

التقييم النهائي

  
رواية جنتلمان في موسكو للكاتب المُبدع آمور تاولز، عمل إبداعي مُتكامل، سواء في لغته البديعة أو شخصياته المُبهجة أو في أحزانه النبيلة أو في حواراته الحكيمة، أو أحداثه الممتعة أو في أوصافه الساحرة أو في ترجمته البديعة، أو نهايته الشجية.
  
قد يسألني البعض... "ماذا أعجبكِ في الرواية على وجه الخصوص؟" سأجيب باقتباس جملة الكونت :

  

إنه ليس شيئًا واحدًا. إنها مجموعة من التفاصيل الصغيرة، مثلما الفسيفساء.

  
أسفي الوحيد أن الرواية انتهت بعد 585 صفحة فقط!
   
بالتأكيد هناك من يحبون الكونت أكثر منّي، فلست إميل أو أندري أو فاسيلي أو أوسيب، ولست نينا أو صوفيا أو مارينا، وبديهي أنه لا أحد مثل آنا أوربانوفا صاحبة الكواكب والمُذنّبات.
لكنك يا ألكسندر - رغم انتهاء الرحلة - ستظل ذا أثر باقٍ في النفس يُذكّرني دومًا بأن الحياة جميلة ... فقط في صحبة أشخاص يملكون روحًا كروحك.
  

تقييمي للرواية 5 من 5

   
   
  

روابط لأشهر المقطوعات الروسية








 الأغنية مُترجمة بالعربية 😉 

 أغنية الجيش الأحمر السوفييتي (Pólyushko póle) , كان يغنيها جنود الجيش الأحمر قبل انطلاقهم إلى ساحات المعارك عندما يودعون زوجاتهم , و أهلهم .






أفضل مقطوعات تشايكوفسكي 




3 ساعات لأروع المقطوعات الروسية الكلاسيكية الخالدة

  
  








    
   
أحمد فؤاد
24 كانون الثاني يناير 2020

تعديل المشاركة
author-img

أحمد فؤاد

تعليقات
    5 تعليقات
    إرسال تعليق
    • سلمى photo
      سلمى1/29/2020 10:52 م

      الصديق أحمد
      قرأت مراجعة أعتبرها من أجمل وأمتع المراجعات التي قرأتها
      هالني في البداية كنظرة أولى طول المراجعة ولكن حين بدأت في قراءتها وددت ألا تنتهي

      أؤمن دائما بالرسائل الربانية التي تفتح أبوابا جديدة للحياة بشكل أفضل في أحلك الظروف
      وأنه في الجانب الآخر من الأبواب الموصدة للواقع يمتد عالم لا نهائي من الخيال، مستعد دائمًا لاستقبال جموحنا وإرضاء رغباتنا الأكثر جرأة في المغامرة.

      الإقامة الجبرية للكونت أليكسندر إلييتش كما فهمت من الرواية تزامنت مع إقامتي الجبرية لغرفتي لظروف مرضية ،اكتشف البطل بواطن نفسه من خلال حجرة صغيرة كانت بمثابة عالم رحب
      سأعود حتما للمراجعة من جديد بعد قراءة الرواية وأحييك للمرة الثانية على مراجعتك القيمة

      وايضا على محتوى المراجعة وتنسيقها بشكل مبدع ومنظم ،واختيارك الموفق المقطوعات الموسيقية والإقتراحات.


      الخمس نجمات كفيلة بأن تجعلني أبدأ فورا في القراءة
      ودي القائم والدائم

      إرسال تعليقحذف التعليق
      • Ahmad Fouad photo
        Ahmad Fouad2/20/2020 2:55 م

        الصديقة سلمى...

        سعدت جدًا بردكِ الجميل، وسعيد لأن المراجعة قد راقت لكِ.

        الرواية فعلًا رائعة وتستحق النجمات الخمس وأكثر، وتمنّيت ألا تنتهي أبدًا.

        شفاكِ الله وعافاكِ وأنهى إقامتكِ الجبرية في أقرب وقت وعلى كل خير.

        أنتظر عودتكِ مرات إلى المراجعة بعد قراءتكِ للرواية.

        مودّتي
        أحمد

        حذف التعليق
      • Ahmad Fouad photo
        Ahmad Fouad2/20/2020 2:45 م

        أزال المؤلف هذا التعليق.

        إرسال تعليقحذف التعليق
        • زهور الربيع photo
          زهور الربيع4/07/2020 9:53 ص

          شكراً لكل البريق الذي أضفته لروح الرواية ستكون من الأوليات بأذن الله

          إرسال تعليقحذف التعليق
        الاسمبريد إلكترونيرسالة