random
أخبار ساخنة

مُراجعة كتاب الحزن الخبيث (تشريح الاكتئاب) - لويس ولبرت

   



     


أرجوك... إن لم تكن قد مررت بتجربة اكتئاب حاد فلا تستهين به، ولا بما جاء في هذا الكتاب.

 


لا تستهين


يقع الناس في فخ التهوين بخطورة الاكتئاب بسبب صعوبة تعريف الاكتئاب في حد ذاته، وبالتالي يحدث خلط بين درجات الحزن الاعتيادية الطبيعية والذي عرّفها الكاتب بالحزن العادي، وبين درجة الحزن الشديد أو كما يُسميه الكاتب "الحزن الخبيث". وسبب اختيار الكاتب لهذا الاسم كونه يُشبّهه بمرض السرطان الذي يتسلل في هدوء مُستترًا بأصغر الشرر وتوافه الأمور، ويتشعّب بتوحّش في صمت، وقبل أن يدرك المرء مدى تغلغله داخله يكون المرض قد تمكّن منه.

 

يصحبنا الكاتب والعالِم د. لويس ولبرت في هذا الكتاب في رحلة صعبة يحاول فيها أن يستكشف الأسباب البيولوجية لمرض الاكتئاب الحاد، حيث يعتقد أن أسباب حدوثه ليس مُقتصرًا فقط على الأسباب النفسية، بل أنه يحدث أحيانًا نتيجة تغيرات هرمونية (مثل حالات اكتئاب ما بعد الولادة) أو نتيجة لأعراض جانبية لأدوية (مثل أدوية القلب) أو حتى بسبب الاستعداد الوراثي. والجميل في هذا الكتاب أن الكاتب يشرح الأمر بشكل حيادي وبرغبة صادقة في تقصّي الحقيقة، وذلك لم يكن ليحدث إلا لكونه قد تعرض لهذا المرض الخبيث حيث تعرّض مرتين للاكتئاب الحاد (السريري).

     



ما هو الاكتئاب؟

 

يقول الكاتب: يعرف كل من مر بتجربة الاكتئاب الحاد أنه حالة غريبة عصيّة عن الوصف لا يفهمها حقًا إلى من عانى اكتئابًا حادًا. إذ ليس الاكتئاب الحاد مُجرد شعور بالوهن أو بالإحباط. بل هي حالة مختلفة تمامًا تكاد لا تمُتّ بِصلة لمشاعر الحُزن اليومية العادية، ولذلك فإن وصفه يحتاج إلى كلمة جديدة تختزل معاني الألم، بالإضافة إلى الشعور باليأس التام من نجاعة أي علاج. يرافق الاكتئاب عادة شعور مُفرط بعدم تقدير الذات (الدونية). وغالبًا ما يكون القلق هو الشعور المُسيطر على المريض إلى درجة (الوسواس القهري). كما يتعاظم الشعور بالعُزلة ويزداد فقدان الاهتمام بأي نشاط، ولا يرى إلا الجانب المُظلم من علاقته بمن حوله، ويحاصره الشعور بالتفاهة والضآلة والتي قد تعزّز لديه فكرة التخلّص من حياته دون أن يعلم السبب، غير أن كُل ما يعلمه أن شيئًا ما قد انكسر داخله.

 

إن الاكتئاب الحاد هو حُزن سرطاني مُخيف، وخطورته الشديدة تكمن في أن سبب حدوثه مجرد أمر عادي (الحُزن) يُمكن أن يحدث للإنسان كل يوم. فالإنسان من أجل توازنه في هذه الحياة يمر بسلسلة من المشاعر المُتعاقبة بشكل مُستمر من حُزن وألم، وسعادة وفرح، وغضب وغيظ، وحُبٍ وشغف، وكُرهٍ ومقت. كل هذه الأحاسيس المُتناقضة هي ما تحفظ للإنسان توازنه، وهي ما تثير فيه الحماس والإصرار وتثير فيه نزعة المقاومة والتغيير. ومن خلال هذه التجربة يعرف كل إحساس بضده، ويخلق ذلك داخله تجربته الخاصة التي يصل بها إلى نقطة توازن مناسبة له تُمكّنه من العيش في الحياة بشكل آمن نفسيًا. ولعلها حكمة الله الذي خلق الإنسان في كبد. لكن في حالة الاكتئاب تتفاقم المشاعر السلبية داخل العقل وتحتل العلميات العقلية الأخرى فتعيقه عن العمل بشكل طبيعي كما تفعل الخلايا السرطانية، والتي قد تؤثر جوهريًا على طريقة تفكير المُصاب.

   

 

تشريح الاكتئاب

   

في أربعة عشر فصلًا يُشرّح الكاتب مرض الاكتئاب بشكل رائع، فيقارن بين تجربة الاكتئاب في الماضي والحاضر، كما يقارنه في الثقافات المُختلفة ومدى تأثير الثقافة على نشوء أو تعزيز أو حتى اختفاء الاكتئاب. ثم يتعمّق في حالاته المُختلفة ليتحدث عن الهوس الاكتئابي وعن الانتحار كأثر مرضي ناتج عن مرض الاكتئاب الحاد (السريري).

    

`


   

أشار الكاتب إلى أن فكرة الانتحار قد تتحوّل إلى مرض قاتل إن تعززت الأفكار السلبية وتمكّن الاكتئاب من المريض، والانتحار هنا يختلف عن قتل النفس الذي ينتج عن مواجهة مشكلة عويصة لا يقدر المرء عن حلها بشكل واعٍ. الأدهى هنا أن الأفكار التي تملأ عقل المريض المصاب بالاكتئاب الحاد هي أفكار مشوّهة غير صحيحة عن نفسه، بالإضافة إلى عدم منطقيتها رغم أنها تبدو عقلانية جدًا للمريض، والمرعب أنه وحسب الإحصائيات الرسمية فإن نسبة من يُقدم على الانتحار هي شخص من بين عشرة أشخاص مصابين بالاكتئاب الحاد، أما الاكتئاب الهوسي فنسبة مرضاه الذين يقدمون على الانتحار هي 10 إلى 20 بالمائة من المصابين. مع الإشارة إلى أن النسبة عالية جدًا لمن يفكرون في الانتحار لكن فقط النسبة المذكورة هي من تُقدم فعليًا على الانتحار. ومن المذهل معرفة أن 50% من المراهقين يُفكرون بالانتحار أسبوعيًا، ولكن والحمد لله فإنهم لا يضعون هذه الأفكار حيز التنفيذ إلا نادرًا. هذا بالإضافة إلى انتشار نسب الانتحار بين مدمني الكحول وأيضًا مرضى الفصام.

 

من المخيف أن ندرك أن الاكتئاب الحاد يزرع فكرة تدميرية للأنا العُليا حسب تعبير فرويد، أي أن الإنسان ينتابه شعور جارف بتدمير ذاته وتحطيم حياته، فيحاول إيذاء نفسه بأشكال تتباين حدتها، فتتراوح ما بين الرغبة في قتل النفس أو في تدمير العلاقات الاجتماعية أو في تخريب عمله. وهذا سببه فقدان التقدير الذاتي للنفس وتوجيه نقذ ذاتي قاسٍ تجاهها بسبب الإحساس بدونيتها ومن ثم كراهيتها.

    

لكن المُفزع حقًا هو أن كثير من حالات انتحار مرضى الاكتئاب الحاد لا تقتصر حدوثها أثناء فترات الكرب الحادة، بل تحدث أيضًا أثناء فترة التعافي، أي بعد الخروج من أصعب لحظات اليأس. (هناك مثال شهير لمخرج عالمي فاز بجائزة الأوسكار ثم وبعد عودته من حفل تكريمه قام بالانتحار!)، يستدعي ذلك انتباهنا إلى ضرورة إكمال العلاج إلى نهايته وعدم التسرّع بالاعتقاد باكتمال تحسّن الحالة.

 

يبحر بنا الكاتب بعد ذلك في عدة فصول ليطلعنا على أهم التفسيرات النفسية والتفسيرات البيولوجية والدماغ المُتعلّقة بأمراض الاكتئاب الحاد والهوسي وثنائي القطب وأحادي القطب. في محاولة منه للإجابة على تساؤل هام وهو "لماذا يتعرّض أشخاص بعينهم للاكتئاب؟" ونكتشف مع الكاتب أن التجارب الطبية السريرية أثبتت حدوث تغيرات هامة في دماغ الإنسان عند إصابتها بمرض الاكتئاب الحاد أو الهوسي أو أي مرض نفسي أو عقلي، وذلك من خلال تغيرات واضحة تحدث في كيمياء الدماغ في القشرة الدماغية واللوزة والغدة النخامية، وهناك اعتقاد قوي بأن الاكتئاب يُسبب عطلًا في ناقلات عصبية محددة لبعض الهرمونات لنقل الشحنات الكهربائية المطلوبة بين خلايا المخ (وهذا ما تقوم بإصلاحه مضادات الاكتئاب)

    


يمكننا القول إن الاكتئاب يحدث نتيجة تفاعل داخلي بين مناطق محددة في الدماغ مثل اللوزة المسؤولة عن الانفعالات ومناطق أخرى مسؤولة عن الجانب المعرفي، إذ تُحفّز خطوب الحياة انفعال الحزن الذي يتطور إلى حزن مُكثّف لدى الأشخاص الذين يملكون الاستعداد الوراثي لذلك، ويولد الإحساس المُكثف بالحزن بدوره أفكارًا سلبية تسيطر على التفكير، مما يُحفز المزيد من مشاعر الحزن، وهكذا قد يتحول الحزن العادي إلى حزن خبيث.


    



ثم يسرد لنا طرق العلاج المُختلفة للاكتئاب وذلك حسب نوعه، فهناك أنواع يصلح معها العلاج النفسي التحليلي، وحالات أخرى يلزمها أدوية مضادات اكتئاب. بالإضافة إلى إلقاءه الضوء على أهمية العلاج السلوكي المعرفي Cognitive behavioral therapy (CBT). والذي يهدف إلى تغيير طريقة تفكير المريض السلبية تجاه نفسه وتجاه العالم وتجاه المًستقبل. وذلك دون أن يغفل عن أهمية العلاج الروحاني مثل اليوغا وأهمية تقنياتها (مثل تقنيات تمارين التنفسّ) في تهدئة النفس والوصول إلى حالة من السيطرة الإيجابية عليها. هذا بالإضافة إلى ملاحظته دور الثقافة والبيئة المُحيطة والمحيط الاُسري الفعّال والذي يسهم بشكل مؤثر في العلاج. كما أشار إلى أهمية دور العبادات الروحانية في العلاج. مع التنبيه إلى أن كل ما سبق هي مجرد بداية لطريق العلاج والذي يستلزم بعض الوقت قد يصل إلى شهر أو أكثر من أجل العلاج الكامل لمرض الاكتئاب.
   

      


الاكتئاب في مجتمعاتنا العربية – تأمّل شخصي


  

يُصنّف الناس في مجتمعاتنا مريضي الاكتئاب الحاد بأنهم أشخاص ذوي إيمان ضعيف. وبأن مشكلتهم تكمن في أنهم مجرد شخصيات ضعيفة الشخصية وبأنهم مُثيرون للشفقة كونهم لا يملكون القوة اللازمة لمواجهة مصاعب الحياة. هذه النظرة السطحية تكشف مدى الجهل المُستشري في المجتمعات عن هذا المرض مما يؤدي إلى استفحال المرض بين أفراد المجتمع نتيجة للاستهانة بالمرض في بدايته حين يمكن مقاومته بسهولة. وبسبب ذلك يتظاهر أغلب المُصابين بهذا الداء اللعين بأنهم على ما يرام، ويكتمون مشاعرهم داخلهم إما خوفًا من وصمة اعتراف عند التصريح بالسقوط في فخ انهيار نفسي، وإما خشية من ازدراء المُجتمع لهم بتصنيفهم شخصيات فاشلة عاجزة جبانة.

قد يكون الجهل بأثر خطورة الحزن الخبيث (الاكتئاب الحاد) أمرًا مفهومًا لدى الشعوب البدائية أو حتى المجتمعات المادية المُلحِدة، إلا أن ذلك أمر غريب في مجتمعاتنا المؤمنة الموحِّدة.

لطالما أشار الله في الكُتب السماوية وخاصة القرآن الكريم إلى خطورة الحُزن من خلال النهي عن الحزن، كما أننا نجد حلًا لأغلب الأحزان (بسبب الفقد والظلم وغيرها من الأسباب)، وهو الرضا بقضاء الله وتدبيره ثم الاستعانة بالصبر.



يقول تعالى:{بَلَىٰ مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَلَهُ أَجْرُهُ عِندَ رَبِّهِ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ}.﴿البقرة - 112﴾



مع الأخذ في الاعتبار أن وقوع البلاء بشكل عام ليس معناه بالضرورة أن يكون المرء إنسانًا سيئًا، فالحياة لا تخلو من ابتلاءات دائمة.

كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يدعو "اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنَ الهَمِّ وَالحَزَنِ، وَالعَجزِ وَالكَسَلِ، وَالبُخلِ وَالجُبنِ، وَضَلَعِ الدَّينِ وَغَلَبَةِ الرِّجَالِ» [صحيح البخاري: 6363]



يستعيذ النبي الكريم -كما نقرأ في الحديث الشريف- من أمر عظيم ألا وهو الهَمّ والخَزَن، وكأنه ينبهنا إلى خطورتهما الشديدة القادرة على تحطيم النفس الإنسانية ودفعها إلى الهاوية. فالحُزن (الاكتئاب) يستمد قوته من الأفكار السلبية والوساوس التي تمحق أي أفكار إيجابية.




يظن البعض أن هناك حلولًا سحرية يُمكنها أن تُنهي حالات الاكتئاب والحُزن بشكل فوري، فينصحون المريض بقراءة القرآن أو الصلاة ركعتين لله على سبيل المثال، وإن لم يجدوا نتيجة فورية (بعد يوم أو يومين) يتهمون مريض الاكتئاب بأقسى الاتهامات مما يأتي بنتائج عكسية كأن يُعزز داخله ذلك فكرة أنه مكروه حتى من خالقه لأنه لم يستجب لصلاته. للأسف يتناسى هؤلاء أن طريق العلاج طويل، وأن الصبّر والمداومة أمران لا بُد أن يتحققا من أجل تحقيق العلاج الكامل.

يقول الله تعالى في كتابه الكريم {اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ}. ﴿١٥٣ البقرة﴾

   



  

لذلك يجب على مُرافق مريض الاكتئاب أن يوضّح له حتمية الصبر من أجل الفرج. كما يجب عليه أن يستوعب نفسية المريض دون انزعاج، وأن يهادنها دون تأفّف، وأن يدرك أن عدم الشعور بالتحسّن الفوري هو أمر طبيعي، لأن التعافي من المنطقي أن يحدث بشكل بطيء تمامًا كما بدأ المرض في التوغّل ببطء أيضًا.

كل ما يحتاجه مريض الاكتئاب هو الدعم والثقة وتصحيح الأفكار. لذا كونوا بجانبهم ولا تتركوهم في عزلتهم يموتون ببطء.

   

  


التقييم النهائي

  



كتاب الحزن الخبيث (تشريح الاكتئاب) للكاتب والعالِم د. لويس ولبرت من أفضل الكُتب الطبية التي قرأتها عن مرض الاكتئاب الحاد، خاصة أن الكاتب أكاديمي له عقلية عالم مُتقصّي للحقائق بشكل حيادي ومِهَني، ولا يعوّل على الجانب العاطفي في عرض تجربته وأفكاره، خاصة وأنه صاحب تجربة شخصية مع الاكتئاب. كما أعجبني أن الكاتب قد اطلع على كتابيّ "عقل غير هادئ – سيرة ذاتية عن الهوس والاكتئاب والجنون" للكاتبة طبيبة علم النفس د. كاي ردفيلد جاميسون، و "ظلام مرئي – مذكرات الجنون" للكاتب الأمريكي الشهير وليام ستايرون، وهما من الكتب الهامة في هذا المجال.

الكتاب مهم جدًا سواء لمريض الاكتئاب من أجل الوقوف على المصاعب التي يواجهها والاطلاع على طرق قد تفيده في مواجهة تلك المصاعب، مما يُعزّز ثقته في نفسه ليخرج من ظلمة اليأس الأسود (هذا لا ينفي حاجة المريض إلى الاستعانة بطبيب نفسي). ومُهم أيضًا لمُرافِق أي مريض اكتئاب، فهو لا غنى عنه من أجل زيادة الوعي تجاه هذا المرض والحرص على عدم الاستهانة به كي لا يستفحل، بالإضافة إلى أن الكتاب يساعد في إعداد المُرافق لتقديم المُساعدة التي يحتاجها المريض سواء بالغ أو مراهق رجلًا كان أو امرأة.

 

كتاب "الحُزن الخبيث – تشريح الاكتئاب" للويس ولبرت؛ كتاب رائع، وأرى أن قراءته أمر لازم لجميع أفراد المُجتمع. وهو صرخة تحذير بألا نستهين بالحزن أو أن نتجاهله، مع ضرورة التعامل معه بكل حسم وبشكل عاجل.

 

تقييمي 4 نجوم من 5

 



أحمد فؤاد
27 نيسان أبريل 2021
google-playkhamsatmostaqltradent