random
أخبار ساخنة

كلمة مقتولة

    

   


   

"لا أحب الرسائل"

 

هكذا قذفها في وجهي بلا ترفُّق، ثم أكمل: "أنتم يا أصحاب القلم تصنعون من الحبّة قُبّة، فما الداعي لأن أكتب لك كلمات تشرح لك شعوري تجاهك؛ إن كان باستطاعتي أن أقول لك كلمتين اثنين "أعتز بصداقتك" هكذا ببساطة وبدون أي تعقيد".

 

بهتني قوله وعجزت عن الرد السريع كعادتي. انسحبتُ من النقاش مؤقتًا خشية التورّط في سفسطةٍ مُتسرّعة. رغبت أولًا أن ألملم أفكاري التي تناثرت على إثر الفوضى التي خلّفتها زوبعة رفضه لرسالتي له!

 

تساءلت في شكّ إن كان صديقي على صواب، وأن الرسائل والكلمات التي نُعبّر فيها وبها عن مكنون مشاعرنا ما هي إلا فذلكة بلاغية فارغة لا تضيف معنى ولا تُعزّز مفهومًا. وأن الاقتضاب هو الوسيلة المُثلي للتواصل بين البشر كونها وسيلة أكثر عملية وأقل إضاعة للوقت. وأن المواساة والرثاء ووصف المُعاناة هو مجرد إطناب لا طائل منه.

   

لكنني بعد قليل من التفكير اهتديت إلى أن الحياة لن تستقيم إن كان صديقي على صواب. أي أن نوجز ونختصر ونقتصد في التصريح بما نشعر به، وأن نجتثّ بذور البوح من أعماقنا، ونُقلّص مساحاتنا المشتركة مع الآخرين، وأن نوئِد داخلنا الكثير من عواطفنا ووجداننا وانطباعاتنا. لا بُد أن يكون الأمر وسطيًا دون مبالغة في التعبير أو إمحاقًا له. لأن الإنسان لم يُخلَق كي يعيش كرمز وسط مُعادلة رياضية صارمة، ولا أن يختزل أحاسيسه ومشاعره في كلمة موجزة تُقال في مواعيد مُحدّدة. إن هذا الاختزال في واقع الأمر ما هو إلا تقليص من مساحته الإنسانيّة الخاصة التي يتفرّد بها عن بقية المخلوقات.

 

إن اتخذنا هذا الاختزال كقاعدة حتمية للارتقاء بحياة البشر، إذن فبالقياس سنجد أنفسنا نختزل بقية المشاعر التي نُعبّر عنها، فننزع منها حُسن اللغة وبلاغتها وجمال وصفها، ونحشرها في فعل أو قول واحد بشكل ماديّ بحت. فالجمال لا قيمة له في عالم ماديّ صرف. إن الأمر يتحوّل إلى عملية تفريغ كاملة للغة، فلا بلاغة ولا تورية ولا مجال لما بين السطور، ولا مقام لِمَا يسكن النفوس ويعجز اللسان عن قوله!

    



   

وهكذا نستغني عن العشق والوله والولع والشغف والصبوة والغرام والهيام والمعزّة والهوى والودّ، ما دام يُمكننا أن نقول "أحبك"!


ونلغي من قواميسنا كلمات مثل الأسى والأسف والاستياء والجزع والتعاسة والتبرّم والاكتئاب والجوى والحسرة والشجن والكرب واللوعة والبؤس، ما دام يُمكننا التعبير بكلمة "أنا حزين"

 

ولتذهب أشعار الرثاء إلى الجحيم، فما الحاجة إلى التعبير عن ألم الفقد؟ وما الداعي إلى المواساة وتفهّم أسى الآخرين؟ وهكذا يتحوّل تعاطفنا إلى استنكار، ونعترض على تضييع الوقت في التعبير والبوح رغم أنه في استطاعتنا أن ينتهي الأمر بكلمة تعزية!

 

أردت أن أصيح فيه: اذهب يا صديقي إلى أمٍ ثكلى واطلب منها ألا تُصدّع رأسك بآلام فقدانها لابنها بحجّة أن الناس تموت كل يوم منذ أن بدأ الإنسان رحلته في الأرض.

 

أو اذهب إلى أب وأم؛ ابنهما مُغترب في بلاد بعيدة، واسألهما ألا يزعجاك بأوجاع وحدتهما وعذابات هواجسهما على ابنهما، ورعبهما أن يضيع منهما في غياهب الحياة أو الموت! أخبرهما بأن الأمر كافٍ أن تقولا "نحن نعاني"

 

وعلى نفس المنوال، سنجد أنغام الموسيقى مُجرد ضوضاء من نفخٍ وطرقٍ وخبطٍ، ويصبح الرسم مجرد بُقع ملوّنة عديمة المعنى. ويصير الشعر ثرثرة لا تفيد. وتتحوّل العلاقات الحميمية بين الأزواج إلى علاقات حيوانية وليست عملية احتواء وسكن واندماج روحي كما أرادها خالق الكون.

 

حينئذ سيكون الحُب الذي أكنّه لأمي، وعشقي لزوجتي، وتعلّقي ببناتي، وعنايتي بأخواتي، وامتناني لخالاتي وأخوالي، واعتنائي بأصدقائي، وحزني على رحيل أبي، كل هذه المشاعر ستكون مُعلّبة جاهزة؛ محشورة كل منها في كلمة واحدة جامدة لكنها سهلة الاستخدام!

   



  

نحن لا نريد أصدقاءً يخبروننا أنهم آسفون من أجلنا، بل نريد أصدقاءً يشاركوننا أحزاننا ويتحدثون معنا وينصتون لبوحنا. فمُحال أن تختزل كلمة واحدة آلاف المشاعر التي نحملها، وإنما على العكس؛ ستتقلص مساحة التعبير وتتآكل رحابة الاحتمالات، وتموت الكلمات بجمود معناها، وتوجعنا ببرودتها الجارحة. ولرُبّما اختلط مغزاها لضياع مضمونها فتصير كلمة الحُب سمجة، والوقاحة أمر عاديّ والعطف محض سخف.

 

وخزتني الفِكرة وأشاعت داخلي ضيقًا انقبض له قلبي. نظرت إلى عينيّ صديقي الواثقتين فعزمت أن أجادله طويلًا كي أوضّح له مغبّة تفكيره آملًا أن يُغيّر وِجهة نظره.

 

وفكّرت؛ رُبّما لو كتب الناس ما يجيش في نفوسهم تجاه من يحبونهم، لما ساد العالم هذا القدر من القسوة التي نعيشها في هذا العصر!

 



أحمد فؤاد
26 شباط فبراير 2021
author-img
أحمد فؤاد

تعليقات

10 تعليقات
إرسال تعليق
  • مورا جمال - كاتبه وباحثة ومدونة photo

    كلمات فى محلها
    سلمت يُمناك 👍👍👍

    حذف التعليق
  • سلمى photo
    سلمى2/27/2021 6:13 م

    أبدعت يا أحمد في الوصف والتعبير عن قيمة الرسائل والحرف ومدى تأثيرهما

    للمصادفة أقرأ رواية "باب العامود"للكاتبة ( نردين أبو نبعة) وهي قصة مستوحاة من أحداث حقيقية لبطل فلسطيني، حكم عليه بالمؤبد داخل سجون المغتصب الصهيوني،ولولا رسائل زوجته التي كانت ترسلها إليه متحملة المشقة والذل من قبل الإسرائلين، لتحطمت إرادته وأستسلم للحزن والقهر

    فكانت رسائلها هي الشموع التي تنير ليل سجنه، حتى أنه توسل لها يوماً ألا تكف عن كتابة الرسائل .. حين ظنت أنه لا جديد لتكتبه وكانت تنوي أن تتوقف عن كتابة الرسائل، فأخبرها ألا تفعل وتتوقف.. حتى يستطيع أن يصمد، ويتحمل.
    فكانت كلماتها بمثابة قلباً نابضاً بين يديه.


    أتعجب مثلك من هؤلاء الذين يظنون أن الرسائل مجرد ثرثرة فارغة
    فكم من كلمات أحيت قلوب كادت أن تموت
    ألم تقل "ميلينا" عن رسائلها هي و"كافكا"
    (كنّا نتعانق بين النصّوص)

    أحييك على كل ما كتبت،فقد عبرت عن كل ما نود أن نقوله
    سلمت يداك 🌹






    حذف التعليق
    • Ahmad Fouad photo
      Ahmad Fouad2/28/2021 1:19 م

      لن يفهم قيمة الرسائل سوى من ذاق حلاوتها وأدرك معناها.


      أما من لا يفهم، فمنطقيّ أن يعتقد أن لا وقت للتعبير في وسط حياتنا السريعة الإلكترونية المُعلّبة. هم لا يفهمون أن هذه الكلمات هي الضمانة الوحيدة لاستمرار إنسانيتهم بعيدة عن الجمود.

      تحياتي

      حذف التعليق
    • Nesreen Alaa photo
      Nesreen Alaa2/28/2021 6:03 ص

      [نحن لا نريد أصدقاء يخبروننا أنهم آسفون من أجلنا، بل نريد أصدقاء يشاركوننا أحزاننا ويتحدثون معنا وينصتون لبوحنا] 👌

      ما أجمل أسلوبك في التعبير، سلمت يداك يا أستاذ أحمد 👏

      حذف التعليق
    • Samaher photo
      Samaher2/28/2021 7:01 م

      مقال رائع وجميل ومليء بالمشاعر والوصف الصادق..

      البعض يختصر الردود بكلمات بسيطة لعدم معرفته بالكلام المناسب أو كيف يعبر عن مشاعره.. يود أن يكتب ويعبر ولكن يعجز عن ذلك..

      "حاليا فيه كتب للأطفال تعلمهم أنواع المشاعر وكيف يعبرون ويصفون مشاعرهم" وهذا شي ممتاز وتساعد الشخص بمعرفة وتحديد شعوره الحالي وكيف يعبر عن ما بداخله

      والبعض يرى الموضوع من زاوية أخرى ويدفن الكلمات والمشاعر لأنه تربّى على ذلك وصعب عليه جدا أن يظهرها بأي شكل..

      والبعض لا يرى أهميتها كما ذكرت أو لا وقت لديه أو يشعر بالمنافسة لأنه لا يستطيع التعبير كالشخص الآخر فيختصر الموضوع ويستهزىء بمن يظهر ويعبّر عن مشاعره

      وهذا شي مؤسف.. فيه أشخاص تغيرت حياتهم من كلمات بسيطة وصاحب الكلمات لم يتوقع هذا الأثر.. كم من مجاملة صادقة رفعت معنويات أشخاص وزادت ثقتهم بأنفسهم والعكس صحيح.. أحيانا فيه كلمات تتردد في الذهن وتغير من النفسية للأفضل مع انها كانت من ضمن حديث بسيط

      شكرا يا أحمد على المقال 🌷

      حذف التعليق
      • Ahmad Fouad photo
        Ahmad Fouad3/01/2021 11:53 ص

        مرحبًا سماهر

        أشرتِ إلى نقطة هامة بالفعل وهي تدريب الأطفال على التعبير. بالأساس هناك العديد من المشكلات التي تظهر بسبب عدم تعبير الكبار عن اهتمامهم وحبهم للأطفال.

        المشكلة أننا نظن أن الآخرين يفهمون نوايانا، والتي يصعب على الآخرين الإطلاع عليها بكل تأكيد.

        الغريب أن نفس الأشخاص التي تدّعي عدم أهمية الكلمات أو التعبير بشكل ما، هم أول من يتذمرون عندما تضيق حياتهم دون اهتمام من الآخرين لكن في وقت لاحق في عمرهم عندما تتباطئ وتيرة حياتهم.

        أشكركِ يا سماهر على كلماتكِ العذبة وطرحك الجميل، والذي يشي بروح جميلة.

        خالص الود
        أحمد

        حذف التعليق
      • Mohammed Makram photo
        Mohammed Makram3/01/2021 5:15 م

        كلام جميل و مؤثر و جسمي أقشعر في آخر فقرات التدوينة لكن بعض الناس و انا منهم بنعبر بالصمت أو بكلمات قليلة في أغلب الأوقات و عارف إن ده مش صح لكن ده طبع

        حذف التعليق
        • Ahmad Fouad photo
          Ahmad Fouad3/02/2021 11:01 ص

          أشكرك يا محمد على تعليقك الجميل

          أود أن أوضح أن هناك فارق بين التعبير بكلمات قليلة أو بالصمت نتيجة لعدم القدرة عن التعبير وبين استنكار التعبير.

          أنت تدرك أن هناك مشكلة وأنت تحاول أن تغلب طباعك. لكن المستنكرين لا يرون في صمتهم مشكلة بل العكس يرون أن المشكلة في التعبير ذاته، وهؤلاء لا أمل فيهم.

          أتمنى أن تحاول... فبالتأكيد أن من حولك في حاجة ماسة لبوحك ولو بقليل من الكلمات، وأرى أتهم يستحقون ذلك... تمامًا

          مودّتي🌹

          حذف التعليق
        google-playkhamsatmostaqltradent