-->
U3F1ZWV6ZTI4MTk2MTU0NzE5X0FjdGl2YXRpb24zMTk0MjM1MzE2MzE=
random
أخبار ساخنة

عمّي سيّد... هذا كل الذي لم أخبرك به!


  


    

كُلّما زارني طيف عمّي سيّد، لا أشعر بالحزن على الرغم من رحيله عن الحياة منذ سنوات طويلة. يأتيني طيفه في كل مرةٍ مُبهجًا. لعلّ هذه البهجة مُتأصّلة في روحي منذ أن كان أبي يصحبني وأخواتي في رحلة من بورسعيد إلى القاهرة لاستقبال عمّي وأسرته في المطار . كانت تلك الرحلة تُعني بداية مهرجانًا صيفيًّا سنويًّا يحمل لنا كثيرًا من المرح والسعادة. 

كان عمّي سيّد إنسانًا طيّب القلب. أتذكّر عندما كنت أجلس معه؛ أجده - على الرغم من سرعة انفعاله في بعض الأوقات- رجلًا حالمًا هادئًا تملأه مشاعر جيّاشة وإن كان يحرص على ألا يُعبّر عنها في كثير من الأحيان.

يحكي لي في بعض الأوقات عن الماضي فأنصت له وأشعر بأنه لا يراني وكأنه قد انتقل بالفعل في خياله إلى ذلك الماضي. يتوه في دخان سجائره التي رفض التخلّي عنها طوال حياته، وكأنه يبني بدخانها الكثيف حاجزًا سميكًا يعزله عن الحاضر لينعم بلحظات بعيدة لا تزال حيّة في قلبه. 

حتى في أحاديثه مع أبي والتي كان يبوح له فيها بشجونه أثناء إجازته الصيفية في بورسعيد، كنت ألمس-رغم سنّي الصغير -في كلماته حنينًا إلى الماضي وشوقًا حارًا إلى مدينته الساكنة في قلبه بورسعيد. كنت أراه يتسنشق هواء البحر حتى يمتلأ صدره قبل أن يطلقه بزفير طويل قائلًا لأبي في حيرة " يا أخي لا أدري لماذا نحب هذه المدينة؟ غاية سعادتي هي أن أجلس هُنا وأستنشق نسيم البحر". كان يُحب بورسعيد ويشعر بأنه كالسمكة التي لا تستطيع الحياة إلا داخل بحرها.

كنت دومًا أتأمّله في جلساتنا، وللغرابة لم أكن أَمَلُّ من مُصاحبته رغم فترات الصمت الطويلة التي كانت تفصل بين أحاديثنا القصيرة. لم يكن يدري أنني كنت أتأمّله في صمت، أراقبه يُمشّط شعره مُستمتعًا تارة، أو يجلس مُنتشيًا في شرفة بيته المُطل على البحر تارة، أو يبتسم بصوته المميّز وهو يُعدّل نظارته أو يمسح شاربه الكثيف تارة أخرى. كان يملؤني هدوئَا عجيبًا في صُحبته، وكأن العالم لم يعد يعنينا في شيء. لهذا كنت أحرص دومًا على زيارته.

عندما انتقل إلى القاهرة للعيش فيها، لاحظت اضطرابه الذي بدا لي واضحًا رغم أنه كان يحاول دومًا أن يخفيه، واستشعرت بوحشةٍ تغمر روحه رغم العزوة التي حظيّ بها في القاهرة. قد لا يُقدّر البعض هذه الوحشة، وقد يصعب عليهم فهم هذا الشجن الذي يملأ الروح فلا تبرأ منه إلا بزيارة إلى بورسعيد؛ إن قُدّر عليها ألا تعيش فيها على الدوام. 

بدا لي حينها أن هذا الارتباط الجارف ببورسعيد سببه غُربته الطويلة عن وطنه حينها، لكن السنوات اللاحقة أثبتت لي أنه كان مأسورًا بسحر تلك المدينة.

تُرى أهي لعنة ما تصيبنا بحُبِ الأرض التي ننتمي إليها؟ أم أن عمّي سيّدًا كان مُبالغًا في تعلّقه ببورسعيد؟

وعيتُ أنه لم يكن مُبالغًا في ارتباطه هذا، كان ذلك عندما وجدتني قد وقعت في نفس الفخ، وبعد أن اكتشفت أن بورسعيد صارت تجري في دمي وبأنني صرت –أيضًا- مسكونًا بحُب هذه المدينة. وفهمت أنه –رحمه الله- قد أهداني الحل قبل حتى أن أعرف السؤال!
   
"يا أخي لا أدري لماذا نُحب هذه المدينة؟!"
   




      
مازال عمّي سيّد يعيش بتفاصيله داخلي رغم انسحابه المفاجئ من حياتي بحجّة الموت! 

أدركت أننا من الممكن أن نعيش في قلوب الآخرين بأفعالنا، فنحن يُمكننا قول الكثير من خلال أفعالنا التي يراها ويلمسها من حولنا. أدركت أيضًا أن الترابط بين الناس –إن كان لوجه الله- هو ما يثري حياتنا بعلاقات نقيّة يبقى أثرها في النفس طالما حيينا.

لكن الحياة تمضي رغمًا عنّي، ويرحل الأحباء من حولي تِباعًا، فأتمسك بذكرياتي معهم، وأكتبها كي لا تخونني ذاكرتي ذات يوم فأنساها وأبقى وحيدًا بلا ذكريات تجعل العالم أقل وحشة في غيابهم. 

تُرى هل سأترك إرثًا من الذكريات المُبهجة في قلوب الآخرين؟ هل سأكون سيّدًا آخرًا في حياة شخص ما؟ 

أسترجع كل تلك التفاصيل كلما اشتقت إليه، وأبتسم مُترحّمًا على روحه.

هكذا أضاف لي عمّي سيّد الكثير دون أن يدري؛ أضاف عُمقًا لحب الوطن، و معنى لبساطة الحياة، وألقًا لذكريات تبقى مُبهجةً في القلب مهما مرّ عليها الزمن.


رحمك الله يا عمّي العزيز.

  

أحمد فؤاد
13 تموز يوليو 2020


تعديل المشاركة
author-img

أحمد فؤاد

تعليقات
    تعليقان (2)
    إرسال تعليق
    • سلمى photo
      سلمى7/14/2020 7:45 م

      أحمد أيها الراقي حرفاً ووفاءا واشتغالاُ بحرف يسمو بك إلى مرتبة النبلاء في الأدب ، دعني أخبرك أنك تمتلك أسلوب خاص في السرد ،أكاد والله أسمع تأوهات الحرف وأنفاسه ،وأنا أسير معك وأنت تستنهض جماليات عشق الوطن التي سكنت عمك رحمة الله عليه وحنينه ،وكأن حبه لوطنه وبلدته يكاد يطل من مسامات جلده
      وأتسائل هل هو الحب الذي يجعلنا على هذا الشكل من التوحد بمن أحببناهم؟ ، حتى صارت كل تنهيدة تخرج من صدورهم أنفاسا تقطر حديثا بطول العمر ،وكل دمعة سكنت في أحداقهم كوة تفتح على ماضيهم البعيد؟!
      الأحباء لا يموتون ولا يرحلون مثلهم مثل الوطن ،نحكي عنهم بكل فخر ونحن نسأل ترى هل سكنهم الوطن أم هم الذين سكنوه؟
      تحية لحرف كان الحضور فيه مدهشاً لروح جميلة قرأت كل تفاصيلها بقلبي
      ويتبقى السؤال هل حقاً لم تخبر عمك بأنك كنت تشعر به؟هذا ما أنت تظنه
      لعله كان يعلم فالقلوب تتولى إرسال الحب

      ودي القائم والدائم

      إرسال تعليقحذف التعليق
      • Linda photo
        Linda7/14/2020 10:03 م

        من دون أي مجاملات أنت يا أحمد من الأشخاص الذين لا يمرون في حياة أي إنسان إلا ويتركون أثرا طيبا جميلا خفيفا على القلب وكبيرا في العقل والذهن وهذا ما يحدث معي دائما عندما أتناقش معك في أي موضوع أو أستمع إلى نصائحك ووجهة نظرك في أمور كثيرة متعلقة بحياتنا ومستقبلنا
        رحم الله عمك وجعل مثواه الجنة وأدام الله كل حبيب وعزيز لك وندعو الله أن يجعلنا جميعا من ذوات الأثر الطيب في حياة من حولنا

        إرسال تعليقحذف التعليق
        الاسمبريد إلكترونيرسالة