-->
U3F1ZWV6ZTI4MTk2MTU0NzE5X0FjdGl2YXRpb24zMTk0MjM1MzE2MzE=
random
أخبار ساخنة

مُراجعة كتاب خراب – كتاب عن الأمل - مارك مانسون


    

   
   
احترس... لا تقع في فخ الأمل!
  

    
وهل تساءلت يومًا عمّا يجعل الناس يشعرون أنهم أكثر قلقًا وتعاسة على الرغم من ازدياد حياتهم يُسرًا؟

ظهر هذا السؤال البرّاق على غلاف كتاب خراب- كتاب عن الامل، للكاتب الأمريكي مارك مانسون. وهذا التساؤل قد أثار فضولي ودفعني إلى قراءة الكتاب في حقيقة الأمر، لأنني ظننت أن الكاتب سيتوسّع فيما ذهب إليه في كتابه السابق فنّ اللامبالاة، بأسلوبه الصدامي غير المألوف، والذي حمل فيه أفكارًا وأساليب ممتازة بعيدة كل البعد عن أساليب التنمية البشرية التقليدية والتي أغلبها مُضللة في حقيقة الأمر.

فخ الأمل!


موضوع الكتاب الأساسي هو الأمل، في الحقيقة... الكاتب لا يدعو إلى الأمل بل إلى ازدرائه وتجنّبه! ويدّعي أن الأمل هو قيمة هدّامة وهو سبب كل المشاكل والمآسي التي يمر بها الانسان، لأنه مجرد خدعة عصبية من العقل!

يلجأ الكاتب إلى العديد من الأفكار الفلسفية الكلاسيكية لبعض الفلاسفة من العصر القديم أو الحديث من أجل التدليل على فكرته الغريبة، مثل أفلاطون وأرسطو وكانط وماركس ونيتشه وفرويد، هذا بالإضافة إلى العديد من الكتب المعاصرة والتدوينات المختلفة لمجموعة من المهتمين بعلم النفس.

الفكرة في جوهرها تدعو إلى التأمّل، أننا يجب علينا مواجهة الألم والتعايش معه بدلًا من تجنّبه. لأن تجنّب الألم يخلق هشاشة نفسية داخل الانسان، مما يجعله شخصًا غير قادر على مواجهة المشاكل، وعُرضة لانهيار نفسي في أول مواجهة صعبة في الحياة.

يتطرّق الكاتب إلى بعض المواضيع الأخرى التي يراها مُهمة للتأكيد على فكرته، مثل موضوع سُلّم التطوّر الأخلاقي  للإنسان، ودورة حياة النضج الإنساني، وهو في رأيي من أمتع المواضيع التي تحدّث عنها، حيث يوضّح لنا كيفية نشأة النضج في مراحل الانسان العمرية، بدايةً بمرحلة الطفولة التي يكون فيها الطفل مستبدًا في رغبته بتحقيق طلباته بشكل فوري ولا يقبل سوى ذلك لانعدام مفهوم التفكير لديه.

ثم يعرج إلى أهمية ارتطام الطفل بالواقع وبالرفض من أجل تطوير مستوى نضجه والبدء في استخدام عقله في تحقيق أهدافه، فينتقل الطفل إلى مرحلة المراهقة والتي تغلب عليها أسلوب المقايضة، فيصير المُراهق من أبرع المُقايضين باستخدام أسلوب الصفقات كأسلوب وحيد سواء لمنح من حوله أي قيمة (صدق /حُب /اهتمام /تقدير)، أو حتى في الحصول عليه ممن حوله.

أما في مرحلة النضج فيدرك الانسان أنه من الممكن أن يكون هناك مبدأ صحيح بصرف النظر عن نتائجه، وهكذا يدرك أنه حتى إن سبب لك الصدق -على سبيل المثال- في ألم، أو حتى سبب ألمًا للآخرين، فإن كون المرء صادقًا يظل هو الأمر الصحيح. وهنا يفهم بأن العالم أكبر من يدور حوله فقط، وأن كون المرء ناضجًا معناه أن يكون هدفه هو فعل الأمور الصحيحة لمجرد أنها صحيحة.

ومن هنا يكشف لنا الكاتب مشكلة هامة وهي أن هناك العديد من البشر في هذا العالم لم يكبروا بعد! فما زال هناك من لا يزال استبداديًا للحصول على غاياته، ومن لا يزال مُراهقًا يعقد صفقات تبادلية مع المحيطين من حوله كشرط أساسي لإقامة علاقة معنوية معهم (علاقة سببية) أي حتمية وجود سبب للعطاء.

ويؤكد الكاتب أن الأشياء الأكثر قيمة وأهمية في الحياة غير خاضعة لصفقات التبادل، وإن حاول الإنسان المقايضة عليها فإنه سيدمرها على الفور.

   
لا يمكنك أن تنسج مؤامرة من أجل السعادة. لأنك لا تريد إجراء مقايضة مع والدك حتى تحصل على حبّه، ولا تريد إجراء مقايضة مع أصدقائك من أجل رفقتهم، ولا تريد المقايضة مع مديرك لكي تحصل على احترامه. إن المقايضة مع الناس من أجل الحب أو الاحترام أمر غير جدير بالاحترام. إذا أردت أن تقنع شخص بأن يحبك فهذا يعني أنه لا يحبك. وإن استجديت شخصًا حتى يحترمك فهذا يعني أنه لن يحترمك أبدًا.
  
   

لا بديل عن الألم 

   


لعلّ أفضل فصول الكتاب هو الفصل السابع، والذي يتحدث فيه عن أن الألم هو الثابت الكوني العام. ويُقرّ بأننا لا نتعلم إلا من خلال عيش الألم الناتج عن الألم. وبأن الرعب الذي يسكننا من الألم هو السبب الرئيس في محاولتنا تجنّبه مما يزيد من المأساة كونه يضعف قدرة الإنسان في المستقبل على مواجهة مشكلات الحياة، وهذا شيء صحيح بالفعل.

تحدّث في هذا الفصل عن تجربة أسماها أثر النقطة الزرقاء، والتجربة تدرس تغيّر المفاهيم الناتج عن كثرة التكرار، وكيفية انحراف أو تغيّر المدركات بفعل التوقع المُسبق. سواء عن تجربة شخصية أو بسبب الآراء السائدة في المجتمع. والتي كشفت عن أن الإنسان الذي يمر بالعديد من التجارب السيئة والسلبية بشكل مكثف، يتخيّل وجود هذه السلبيات بشكل دائم حتى وإن لم تكن موجودة بالأساس. وأن الإنسان سيرى فيما حوله مزيدًا من الأخطار كلّما ازداد بحثًا عنها مهما توفّرت في البيئة التي يعيش فيها الراحة والأمان. أو بمعنى آخر أنه كلما تحسّنت الأمور في حياة الإنسان، كلما صار يرى أخطارًا لا وجود لها نتيجة تخوّفه الناتج عن تجارب سيئة سابقة فيزداد حزنًا وانزعاجًا.
  

أشار أيضًأ إلى تجربة هامة أجراها مجموعة من علماء النفس عندما بدأوا في دراسة السعادة (نظرية مستوى التكيّف)، عندما أجروا استبيانًا في الثمانينات والتسعينات على مدى مقدار السعادة (إيجابي أو سلبي أي سعادة أو حزن أو ألم) في لحظة معيّنة مرتبطًا مع الحدث الذي تقوم به في تلك اللحظة. وقد سبّبت نتيجة هذا الاستبيان دهشة كبيرة لدى الباحثين، لأن النتيجة أظهرت أن لا أحد يشعر بالسعادة طيلة الوقت، وبالمثل لا أحد يشعر بالتعاسة طيلة الوقت! كان الظاهر أن البشر بغض النظر عن الظروف الخارجية، يعيشون ضمن حالة ثابتة من السعادة المقبولة لكن غير المرضية تماماً.

هذه النتيجة مهمة لأنها أثبتت أن الانسان لا يمكن أن يصل إلى الحد الأقصى لمقياس السعادة بشكل متواصل وإلا لما أصبحت لحياته معنى، وأن هذا تحديدًا هو المحرك الأساسي للإنسان للعيش في هذه الحياة – محاولة الوصول إلى الحد الأقصى الذي يتغيّر بشكل مستمر. أو ما يُطلَق عليه "نظام المناعة النفسي" وهو المسؤول عن أننا نتأقلّم ونُعدّل مشاعرنا وانفعالاتنا وذكرياتنا، للحفاظ على مستوى مرتفع لسعادتنا وإن لم يكن كاملًا في حده الأقصى. هذا النظام أيضًا مسؤول عن محاولاتنا المستمرة في تكييف انفعالاتنا في حالة الألم أيضًا، فكل معاناة جديدة يرتفع معها بشكل فوري شعور الألم لدينا، ومع استمرارها يعتاد الانسان هذا الألم لتغيّر إدراكه به، وبالتالي يصير الألم عاديًا، وهذا في واقع الأمر يقوّي الانسان في مواجهة المشكلات الأقوى في المستقبل.
    

"إن الجري خلف السعادة قيمة سامة، إنها قيمة غير قابلة للتحقق، لأنها قيمة مضللة، وذلك لأن العيش الجيد لا يعني تجنّب المعاناة، بل هو يعني المعاناة لأسباب وجيهة. إن الألم هو تجربة الحياة نفسها. فالمشاعر والانفعالات الإيجابية هي الغياب المؤقت للألم، أما المشاعر السلبية فهي الازدياد المقت للألم. أما تخدير الألم والابتعاد عنه وعدم مواجهته هو تخدير للإحساس كله، وإبعاد المرء نفسه بهدوء عن الحياة. لأن فكرة التخلص من أشكال الألم كلها قد تكون كارثة نفسية. "

    

لهذا فكانت نصيحة الكاتب التي أنهى فيها الكتاب:

لا تأمل... لا تيأس أيضًا!

لا تأمل بالأفضل.. كُن الأفضل.

      
     


سلبيات: كتاب عشوائي أضاع نجاح الكتاب الأول!

    
رغم أن بداية الفصل الأول كانت ممتازة، إلا أن مع انتصاف الفصل؛ انتابني شعورًا بأن الكتاب لن يكون على مستوى الكتاب السابق. ليس الأمر مجرد اختلاف في بعض وجهات النظر، فهذا الأمر اعتدت عليه كقارئ؛ وأستطيع تجاوزه أثناء قراءة أي كتاب باستخلاص الجيّد منه والتأمّل في الغريب فيه. لكن المشكلة هي أن الكاتب هنا تصنّع الحياد في طرحه لكنه في الحقيقة فشل في ذلك كون غرضه الأساسي كان إيصال القارئ إلى فكرته التي بناها على نقطة خلاف عقائدية.

المشكلة لا تكمن في اختلافي في نقطة في العقيدة وإنما في الإقرار في إصرار الكاتب بحتمية وجهة نظره بأنها الحقيقة المطلقة وأن أي معارض لها مجرد شخص سخيف تافه. أن يكون ذلك في فصلًا من الكتاب فلا مشكلة... لكن أن تكون الفكرة واضحة منذ أول الكتاب فهذا بكل تأكيد أثّر على استمتاعي بالقراءة.

قد أقرأ مثل تلك الأفكار من بعض الفلاسفة أو المُفكّرين الذين قضوا حياتهم يُفكّرون في أمور الحياة والموت والخلق، مثل نيتشه وماركس وأفلاطون وأرسطو وكانط، أقرأها من أجل فهم ما يُفكّر به معتنقوها هذه الأيام وربط أفكارهم تلك بما وصلت إليه البشرية، ومن أجل الرد عليها وتفنيدها من وجهة نظري، حتى ولو قمت هذا من أجل نفسي. لكن أن أقرأها من مارك مانسون؟ كاتب كل تجربته في الحياة أنه وصل إلى الدرك الأسفل من حياته – حسب وصفه في كتابه فن اللامبالاة- ثم استطاع أن يشعر بأنه انسانًا سعيدًا! فأنشأ مدوّنة أشهر ما فيها تزويد الناس بنصائح للمواعدات الغرامية!
  
   


نعم تجربته كانسان مكافح وقع إلى خط الحضيض النفسي بعد أن أدمن ومرّ بتجارب قاسية، ثم جاهد من أجل الوصول إلى نقطة النجاح والرضا والثقة في نفسه مرة أخرى، كانت تلك التجربة ملهمة جدًا في كتابه السابق، لأنه كان يتحدث من واقع خبرته الشخصية والتي مرّ بها بنفسه مما أعطاه مصداقية في الطرح والتي أثنيت عليها في حينها.

لكن ماذا قدّم مانسون في هذا الكتاب؟

هذا الكتاب جاء ضبابيًا، مجرد خليط غير متجانس من الأفكار العشوائية التي جمعها معًا. حتى الهوامش في الكتاب جاءت كبيرة جداً، حتى أنها في بعض الأحيان كانت مساحتها في الصفحة أكبر من النص الأصلي مما شكل إزعاجًا وإرباكًا للقارئ، خاصة وأن الهوامش كانت أغلبها استطراد من الكاتب في الشرح، ولا أفهم لماذا لم يُضمّنه في النص الأساسي!

 ويبدو أن الكاتب كان مُحقًا عندما قال إنه كي يجبر نفسه لإنهاء الكتاب فقد أعطى صديقه شيكًا بمبلغ ضخم يصرفه إن لم ينتهي من كتابة هذا الكتاب في يوم محدد. من الواضح أن الهدف كان إنهاء الكتاب بغض النظر عن جودته.
   

للأسف كان أسلوب مارك مانسون في هذا الكتاب مُتعاليًا مُزعجًا، يجبر فيه القارئ على تبني وجهة نظره بالقوة، وإلا فهو شخص غير ناضج فكريًا، رغم أن هناك الكثير من التعميمات في الكتاب كانت خاطئة، واستنتاجات أثبتت دراسات عديدة أنها ليست صحيحة على الإطلاق.
  

التحكم في النفس ليس وهمًا

   

يعتقد الكاتب أن فكرة التحكم في النفس هي مجرد وهم. ويذهب إلى شرح الامر بطريقة معقدة بعض الشيء بقسم الدماغ إلى قسمين وهو العقل الذي يفكر والعقل الذي يشعر.

وذلك رغم أن الأمر مفهوم بالفعل منذ الأزل، سواء من خلال الفكر الإنساني أو كما فهمناه من جميع الرسالات السماوية. إن القلب هو العقل الذي يشعر والذي قصده الكاتب، والذي يمثل في الحقيقة الجانب الروحي في الانسان، والذي يقابله الجانب العقلي المادي المسؤول عن التأمّل والتدبّر وإيجاد العلاقات المادية المباشرة التي تضمن الحياة للإنسان في جانبه المادي. وهذا الصراع هو صراع روحي ومادي في كل انسان يضمن عدم استقرار الروح البشرية، لضمان عدم ارتكان الانسان بشكل كامل سواء إلى عالم مادي (جامد صلب يتمثّل في خوارزميات الفكرية والشهوانية المُحرّكة سواء لاستمرار حياة الانسان كجسد مادي حيواني مثل النساء والمال والطعام والسلطة وغيرها) أو إلى عالم حسّي (روحي مُجسّد في الإيمان والحب والأخلاق والحريّة والعدل وراحة الضمير والمعرفة وتذوق الجمال والفنون). وهذا فإن الانسان دومًا يحاول الوصول إلى نقطة توازن بين الحالتين بشكل دائم.

ذلك نجده بشكل موجز في قول الله تعالى: {وَابْتَغِ فِيمَا آَتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآَخِرَةَ وَلَا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا} القصص 77

   
وبغض النظر عن أن الفكرة واحدة رغم اختلاف طريقة عرضها، إلا أن ما خلص إليه الكاتب في نهاية الفصل عكس ما قد بدأ به! فهو يقر أن التحكم في النفس عبارة عن صراع مستمر، وأرجع أصل الصراع إلى نظر الإنسان إلى نفسه نظرة دونية وشعور بالذنب بدلًا من مصارعة جانبه الآخر! الحقيقة أنني لم أفهم ماذا أراد أن يقول الكاتب، وما هو الوهم في محاولة الانسان السيطرة على نفسه في كثير من الأوقات؟ وقد وجدت أن هناك الكثير جدًا من القرَاء من مختلف الجنسيات وبمختلف اللغات يشاركونني عدم الفهم في كثير مما ذهب إليه الكاتب في هذا الكتاب.

    

الدين... الهاجس!


    
رغم أن الفصل الرابع "كيف تجعل أحلامك كلها تتحقق" أظهر بعناية كيفية إنشاء طائفة جديدة أو نفوذ سلطويٌ مُتقن من خلال مجموعة من المبادئ، إلا أنه ونتيجة لفكر مارك مانسون العدمي أسقط ذلك على الدين، وراح يشرح الأمر تحت عنوان "كيف تبدأ دينًا خاصًا بك؟"

للأمانة هو قسّم وفرّق الأديان إلى ثلاثة أقسام... دين روحي فوق الطبيعة (الرسالات السماوية) ودين فكري إيدولوجي (الرأسمالية والشيوعية والقومية، ودين قائم على تقديس أشخاص (سياسيون أو رياضيون أو ممثلون أو حب رومانسي).

وللأمانة أيضًا، فإن هناك طوائف من المتدينيين المتطرفين قاموا بانتهاج تلك المبادئ بالفعل واستغلوا الدين للوصول إلى مراكز قوى وللسيطرة على الحكم ولإخضاع البشر تحت سلطتهم. وهذا في الحقيقة ليس بسبب الدين كقيمة روحية، ولكن لأن الدين كان هو الوسيلة المضمونة للسيطرة على عقول الناس دون أي اعتراض منهم كون أوامرهم صُبغت بصبغةٍ مقدسة لأنها آتية من الله مباشرة، وهذا كما أشرت مشكلة في النفوس البشرية الخبيثة ولجوئها لاستغلال الدين كوسيلة وليست غاية، ويتضح ذلك بأن هؤلاء المتطرفين الخبثاء قد تركوا الأديان الروحية (السماوية) وانتقلوا بعدما تقدّم العلم وانتشرت المادية والإلحاد؛ إلى استغلال الأديان الأيدولوجية مثل الرأسمالية والماركسية والشيوعية ومثلها من أجل السيطرة عليها بأحلام أكثر عصرية.

هذه الخطوات والأفكار والمبادئ في تطوير هذه السلطات والنفوذ، ليست جديدة بالطبع وهي عادة بشرية في استغلال أي وسيلة للوصول إلى السلطة.

    

إن نقيض السعادة هو انعدام الأمل. وانعدام الأمل هو أصل البؤس كله من قلق ومرض عقلي واكتئاب وحالة الإدمان. وعليه فإن الإدمان والأوهام والهواجس كلها أوهام اضطرارية يائسة يقوم بها العقل لخلص أمل ما... والأمل هو مجرد خدعة عصبية أو توق مرضي! 
العبارة اقتبسها الكاتب من كتاب إنكار الموت لإيرنست بيكر.

    

وبسبب هذا التمهيد فمن الطبيعي أن يصل لنتيجة أن هذا السبب (البحث عن خدعة أمل) هو السبب الذي يجعل أناسًا كثيرين جدًا يلوذون بالأديان، لأنها تقييهم مواجهة العدمية وتعطي لحياتهم معنى وهذا سبب قلة حالات الانتحار بين المتدينيين مقارنة بغير المتدينيين.
   

   

لماذا تطرق الكاتب إلى هذه النقطة تحديدًا؟ لأنه يريد أن يدلل على أن الأمل كله وهم، وبأن الدين الروحي أهميته القصوى هو بيع الوهم لليائسين، واستقطاب المشردين والفقراء والمنبوذين والأقليات المُهمّشة، لأنهم مستعدون للإيمان بأي شيء، إذا وفر لهم هذا الإيمان الأمل في تحسين معيشتهم في الدنيا أو في دنيا أخرى ( البعث) وهذا يتبع بالطبع مقولة كارل ماركس الشهيرة " الدين أفيون الشعوب" ، وبالتالي فالتديّن كان منتشرًا في الماضي عن الحاضر لأن الحياة كانت قاسية ولم يكن هناك أملًا في تغيّر حياة البشر فكانوا يلجؤون إلى الدين للتخفيف عن حالتهم المزرية، أما الآن وبعد قدوم العلم الذي هو السبب في إسعادهم والقضاء على أغلب منغصات الحياة فهو الأولى بالإتّباع من إله لا يُرى ولم يقدّم شيئًا للبشرية كل تلك السنوات! أما سبب استمرار تلك الديانات حتى الآن فذلك يرجع إلى أنها غير قابلة للدحض بسبب اعتمادها على أمور خارقة للطبيعة يصعب إثباتها أو إنكارها على حد سواء!


مشكلة العدميين أو الملحدين، أن أغلبهم قد تأثر بشكل بالغ بالتجاوزات التي قام بها المتطرفون المتدينون من جميع المتدينين المؤمنين بأي رسالة، والتي كانوا يستغلون فيها انصياع الناس للأوامر كونها هي رغبة الله والتي هي في نظرهم لا يعرفها سوى طبقة السلطة الكهنوتية، والتي كان لها الحق في الحكم على الناس حسب رؤيتهم وتأويلهم لنصوص الدين، كحكم نهائي غير قابل للطعن أو التأويل من قِبَل من ليسوا في السلطة، مما جعلها أداة اضطهاد في من تسوّل نفسه ذلك من الخبثاء، وبالتالي التعبير عن أفكارهم بشكل متطرف قاسٍ أدى في نهاية المطاف إلى نفور تام من فكرة الدين.

ومع تقدّم العلم وانكشاف العديد من النزعات الدينية المزورة لدى بعض السلطات الدينية، والتي اتضح أن أحكامهم القاسية إما لم تكن من الدين في شيء، أو أنها قد حُرّفت في تأويلها لخدمة مصالح سياسية أو اجتماعية. أساء ذلك بشدة إلى الأديان، ليظهر الدين بعد ذلك كمذنب يدافع دائمًا عن أخطاء لم يقترفها ولم يُحرّض عليها بالأساس. لهذا فإن الرغبة لدى العدميين أو الملحدين في عدم تكرار تلك الحقبة هو الدافع الأساسي للهجوم أي مناقشة يدخل فيها الدين طرفًا في النقاش أو حتى كمجرد مصدر للاستشهاد به.

ولهذا نلاحظ أن كل مصادر الكاتب واستشهاداته وأفكاره التي بناها، قد استقاها من وجهات نظر متشابهة أغلبها لا يؤمن وجود الإله مثل شوبنهاور ونيتشه أو ممن يؤمن بوجود قوة إلهية غير متدخلة في الحياة مثل ماركس، أو يؤمن اسمًا بوجود الله لكن من أجل تبرير بعض الأفكار غير القابلة للتفسير سوى بوجوده مثل إيمانويل كانت، لكن أفكارهم كانت تقريبًا متشابهة من حيث التفسير المادي أو الوعي الإنساني كتجربة لا علاقة لها بالقوى الروحية. وهذا لم يكن عرضًا محايدًا لفكرة مارك مانسون، الذي تحامل وسخر من فكرة الأديان واعتبرها تجارب ناقصة غير كاملة للإنسان. فلم يكن هناك أي استشهاد أو مصدر أو عرض لأي فكرة تؤيد الإيمان، ولو حتى لمجرد المقارنة.

   

التقدّم جعل العالم أفضل، فصار الناس أحسن تعليمًا وأقل جهلًا من ذي قبل، وتراجع العنف وبلغت العنصرية والتمييز الجنسي والعنف ضد المرأة أدني مستوياتها في التاريخ. صار الفقر الشديد في أدنى مستوياته على امتداد العالم كله، صارت الحروب أصغر حجمًا وأقل تكرارًا من أي وقت مضى في التاريخ. انخفضت معدلات وفيات الأطفال وصار الناس يعيشون أعمارًا أطول، وازدادت الثروة وتمكّن الانسان من التخلص من الكثير من الأمراض.

   
هُنا يشير إلى أن العلم قد جعل الانسان أفضل شأنًا، وله يرجع الفضل لكل ما وصل إليه الانسان من رخاء، وأن هذا أيضًأ جعل الناس تتحرر من فكرة الدين الروحية بعد اكتشافهم سطوة العلم ودوره العظيم!
  
 

  
يخلص الكاتب في الفصل الختامي إلى أن الدين النهائي هو الذكاء الاصطناعي، وبأنه هو التطوّر الحقيقي للحياة بعد أن تعدّى ذكاء الانسان بمراحل، وهو يأمل بأن يترفق هذا الذكاء الاصطناعي بالبشر واعتبارهم غاية وليس وسيلة!

في رأيي أن الكاتب يعيش القلق لأن عالمه صار ماديًا أكثر من اللازم، هو وجد ممارسات تحقق له أساليب السعادة وتقلل من ألمه، لكنه لم يجد نفسه... افتقد للمسة الإنسانية الروحية التي تحقق له التوازن الذي خُلِق عليه. في الماضي كانت صعوبة الحياة في حد ذاتها ومحاول مستوى تحسين مستوى المعيشة هي الهدف من الحياة، الآن لم يعد هناك هدف ومع انسان ملحد يرفض معنى الدين، ويرى أن العدم هو النهاية الحتمية بعد الموت، فقد هُيئ له أن الآلة التي اخترعها هي سيّده الجديد وإلهه الجدير احترامه كونه أنه الذي سيتحكم فيه!
    
   

لا تأمل!

    

خلاصة الكتاب أن الكاتب يدعو إلى أن يتوقف الانسان عن الأمل! لأن الأمل هو سبب شقاء الإنسان، وأن حتى إذا حُلّت مشاكل اليوم حلًا سحريًا، فإن عقولنا ستظل تتصوّر السوء المحتوم الذي سنعيشه غدًا.

لهذا نصيحته... لا تأمل... لا تيأس أيضًا!

وهذه النصيحة غريبة بعض الشيء لأنها تأتي مُعارضه لما كان يقوله في أغلب الكتاب، وهو الاعتراض على مفهوم الأمل في حد ذاته وأن الأمل قيمة هدّامة. عندما قال على سبيل المثال: "كل شيء خربان، والأمل هو في الوقت ذاته سبب ذلك الخراب ونتيجته!"

وهو هنا مُتأثر لمفهوم نيتشه بأن " الأمل فارغ في نهاية المطاف، وهو ضار إذا قدّسته تقديسًا غير مشروط. لا تأمل في مزيد من السعادة، ولا تأمل في معاناة أقل، لا تأمل في تحسين شخصيتك. ولا تأمل في إزالة عيوبك. فلتأمل في المعاناة التي تأتي مع الحرية. فلتأمل في الحكمة التي تأتي مع الجهل، فلتأمل في القوة التي تأتي من الاستسلام. فلتأمل في الأمل الذي يأتي من السعادة.

مشكلة الملحدين أنهم عدميين، لا يرون للأفعال العظيمة معنى. وبالتالي فهم يحاولون الوصول إلى نفس النتيجة الإلهية المحتومة لكن بأساليب ملتوية لا تمر بأي ربط مباشر بالغيبيات التي لا يؤمنون بها.

ففكرة نيتشه التي دلّل بها مانسون على ضرورة تقبّل المعاناة مع السعادة، والجهل مع الحكم، والقوة مع الاستسلام، موجودة في جميع الرسالات السماوية، وهي واضحة في العقيدة الإسلامية، والفكرة تتمثّل بكل وضوح في كلمة واحدة ... الرضا.

يقول رَسُولُ الله ﷺ: عَجَباً لأمْرِ الْمُؤْمِنِ إِنَّ أَمْرَهُ كُلَّهُ لَهُ خَيْرٌ، وَلَيْسَ ذَلِكَ لأِحَدٍ إِلاَّ للْمُؤْمِن: إِنْ أَصَابَتْهُ سَرَّاءُ شَكَرَ فَكَانَ خَيْراً لَهُ، وَإِنْ أَصَابَتْهُ ضَرَّاءُ صَبَرَ فَكَانَ خيْراً لَهُ. رواه مسلم.

مع الإشارة إلى أن المقصود هنا هو المؤمن؛ أي المؤمن بالرسالات السماوية بشكل عام وبوجود خالق لهذا الكون. والإيمان بأن هناك حكمة من الحياة.

كما أن نصيحة الكاتب التي لخّصت الكتاب بأن لا تأمل ولا أيضًا لا تيأس، نرى أن الله تعالى أرشدنا في كتابه الكريم إلى نفس النصيحة في قوله تعالى:

لِّكَيْلَا تَأْسَوْا عَلَىٰ مَا فَاتَكُمْ وَلَا تَفْرَحُوا بِمَا آتَاكُمْ ۗ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ (23) 

    

الرضا... الشكر عند النعمة... عدم الحزن على مات فات... الصبر على الشدائد، هذه هي إرشادات الله تعالى إلى الانسان لضمان استقرار نفسي سليم لمواجهة الحياة التي خلق الله الإنسان فيها في كبد دائم.


أما عن الأمل... هذه القيمة الهدّامة كما يصفها مانسون، فبكل تأكيد أعترض على رأيه جُملة وتفصيلًا، فأنا أؤمن بأن ليس كل شيء خراب في الحياة، ولا أجد ردًا أبلغ من -الاستشهاد- بقول الله تعال:




۞ قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِن رَّحْمَةِ اللَّهِ ۚ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا ۚ إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ ۞ (53) الزمر



۞ يَا بَنِيَّ اذْهَبُوا فَتَحَسَّسُوا مِن يُوسُفَ وَأَخِيهِ وَلَا تَيْأَسُوا مِن رَّوْحِ اللَّهِ ۖ إِنَّهُ لَا يَيْأَسُ مِن رَّوْحِ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ ۞ (87) يوسف


    

التقييم النهائي

  

كتاب خراب -كتاب عن الأمل؛ تجربة قرائية غير جيدة سواء في المضمون أو حتى في طريقة العرض. الكتاب عبارة عن تجميع لمقالات متنوعة غير متجانسة مع كثير من الإسهاب بأسلوب مبتذل أغلبه ألفاظ نابيه (لم تظهر والحمد لله في الطبعة العربية) كما أنه لم يُقدّم لي الشيء الكثير.

   
الترجمة ممتازة كما عودّنا الرائع الحارث النبهان
   

أوصي بالاكتفاء بقراءة الكتاب السابق – فن اللامبالاة، والذي قيّمته بالعلامة الكاملة.
   
  
تقييمي 2 من 5

   


أحمد فؤاد
1 آيار مايو 2020

الاسمبريد إلكترونيرسالة