-->
U3F1ZWV6ZTI4MTk2MTU0NzE5X0FjdGl2YXRpb24zMTk0MjM1MzE2MzE=
random
أخبار ساخنة

مُراجعة رواية انقطاعات الموت - جوزيه ساراماغو

     

    
     

هل من الممكن أن نمتن لكل ما نخاف منه؟ هل يُمكن أن نذعن بكل رضا إلى حتمية الموت؟ هل نتفطّن إلى أن جوهر الموت هو استمرارًا للحياة!
     

    
  


رحلة فلسفية عميقة


للبحث عند إجابات تلك الأسئلة كتب جوزيه ساراماجو روايته الشهيرة انقطاعات الموت، تلك الرواية التي اعتبرها البعض أنها كُتِبَت في مديح الموت.

يأخذنا الكاتب في رحلة من رحلات الفلاسفة الشهيرة التي تبدأ دومًا بسؤال "ماذا لو؟"، وهكذا فعندما تساءل ماذا لو توقف الموت في هذه الدنيا، حرّضته نفسه إلى افتراض بدأ به روايته "في اليوم التالي لم يمت أحد"، ولتجيبه مُخيّلته برواية كاملة تجيب عن كل الأفكار التي دارت في ذهنه.


تنقسم الرواية لثلاثة أجزاء...

في الثلث الأول؛ نرى في رحلتنا العجيبة كيف يستقبل البشر استقبال الخبر بسرور واضح وبفكرة ساذجة عن الخلود، وبمرور الساعات والأيام تتبدّل الآراء بعد أن نرى آثار توقف الموت على كل مناحي الحياة. برع الكاتب في تصوير تحوّل الانسان بين مؤيد لفكرة توقف الموت إلى مُطالب بعودة الموت إلى قانون حصد الأرواح.

كيف امتلأت المستشفيات بالمرضى، ولم يعد مكانًا شاغرًا في دور المسنين. وكيف انتفت الحاجة إلى قطاع الجنائز وحفاروا القبور، وكيف التفت شركات التأمين على الأمر، وكيف حاكت سُلطة خطتها مُرتجلة لكسب ما يمكن كسبه في هذه الظاهرة الغريبة، فراحت السُلطة الدينية تُعدّل فيما كان من المُحرّم تعديله سابقًا من أجل استمرار تحكمها بالناس، وراحت السُلطة السياسية تمارس دورها الذي لا يتضمن سلامة المواطنين بقدر ما يضمن استمرار وجودها في الحُكم، وحتى سُلطة المجرمين الذين استغلوا الوضع لإرغام الدولة على التفاوض معهم.

يستمر الكاتب في تصوير مشاعر الناس التي شعرت بأن الخلود قد يكون عذابًا للبشر، خاصة أن الخلود لا يضمن حتمية استمرار الانسان بصحة وفيرة. فتتغيّر كل يوم أولويات الناس لكل ما حولهم ولجميع من حولهم. حتى نصل إلى نقطة أصبح الوضع متأزمًا بعد تعطّل موت الناس، وبالتالي مثّل الازدحام المطرد أزمة اقتصادية ونفسية وطبية. فصارالجميع يتمنّى عودة الموت من أجل الخلاص، ومن أجل الأمل في مستقبل جديد.

الثلث الثاني...يعود الموت مرة أخرى بشكل درامي، وبشروط جديدة وأفكار مختلفة ( لا أريد أن أحرق الأحداث)

أما الثلث الأخير... والذي جاءت فيه نهاية الرواية والتي توقّعتها، ليس لذكائي، ولكن بسبب إطلاعي على شخصية جوزيه ساراماجو.

    

الرواية كعمل أدبي


على الرغم من إثارة الرواية لفكرة عظيمة وهي احتمالية توقف الموت، إلا أنها جاءت مضجرة في أغلب مواطنها. يرجع ذلك إلى أسلوب السرد الممل المعتمد على الجمل الطويلة، والمُدمج فيها الحوار بشكل متتالي مُربك لا تفهم منها إلى بصعوبة إن كان النص سردًا أم حوارًا أم فكرة من الرواي.

كُتِبَت الرواية بأسلوب العليم Omniscient  ، و نرى أن الراوي يحكي الرواية، ويتدخّل طرف أعلى منه لتعديل أو توضيح بل ولنقد بعض مما يقوله الراوي. جاءت التفاصيل مسهبة في الوصف، الأول من الرواية حتى زاد عن الحد اللازم في الإلمام بالأمر، ناهيك عن أنها كُتِبِت بأسلوب صحفي بارد يفتقد للحيوية. ثم جاء الثلث الثاني بفكرة جديدة حرّكت الأحداث بشكل أفضل وإن استمر السرد على نفس المنوال، ليأتِ الثلث الأخير من الرواية ليكون في رأيي أفضل الأجزاء (من الناحية السردية الروائية) لوجود شخصيات روائية وحدث وترقّب وتشويق ونهاية مؤثرة.

الخلاصة... الثلث الأول أفضل الأجزاء فكرة، والجزء الثالث أفضل الأجزاء سردًا.



    

على هامش الموت!

الرواية جاءت ساخرة على كافة المستويات، وكشف فيها الكاتب عن النفاق الذي استشرى في كل معاملات البشر. سواء في تعامل الإنسان مع أسرته، أو تعامل الحكومة مع مواطنيها، أو تعامل المؤسسة الدينية مع رعاياها، وهنا تكمن المشكلة.

الكاتب سخر وبكل شدة من المعتقدات الدينية ورؤيتها للموت، وكانسان مؤمن أتبع دينًا فمن الطبيعي أن أعترض على هذه السخرية وأنفر منها. قد أتفهّم فكرة نقده للسُلطة الكنسية المُطلقة في روايته إن اكتفى بها في مواطن الرواية التي أتى بها على لسان الرموز الدينية التي بكل تأكيد تحتمل زلّات بسبب ضعفها البشري. لكن كان من الواضح هجومه الشديد على فكرة الدين وسُلطة الرب والتساؤل ببراءة عن أسئلة عن أن الموت والرب وجهان لعملة واحدة، أو أن الموت في مرتبة أعلى من الرب! وأخيرًا عندما قام بشخصنة الموت.

تمعّنت في إسقاطات جوزيه ساراماجو في الرواية، ووضعتها في إطار وجهة نظره التي كنت قد قرأت عنها في لقاءات سابقة معه. وخلصت إلى أن ساراماجو الذي يراني –كانسان مؤمن موحّد بالله- مجرد انسان ساذج أؤمن بقوة خارقة من أجل ستر ضعفي، وباتباع خرافات من أجل جلب استقرارًا نفسيًا لنفسي الهشة. وترجع نظرته تلك كونه شخص مُلحد لا يؤمن بوجود إله لهذا الكون، وبالتالي لا وجود لبعث أو حياة بعد الموت. أما أنا فأراه شخصًا عبثيًا، وعلى الرغم من أن سارماجو ليس عدميًا أخلاقيًا فهو يؤمن بوجود الأخلاق وأهميتها (هو نصير للقضية الفلسطينية بالمناسبة)، إلا أنه يؤمن بالعدمية الوجودية التي تفترض الاعتقاد بأن الحياة البشرية بأكملها غير مهمة بالنسبة للكون.

وهو بذلك اتجه مثل الفلاسفة الماديين الفرنسيين في القرن الثامن عشر، ومثل الفلاسفة الإنسانيين خلال عصر النهضة في اعتقادهم باعتبار الموت مجرد محض "حادث طبيعي" مؤلم يمكن تجنبه ومن الأفضل أن يزاح التفكير فيه إلى الهامش، وأن السعادة يمكن تحقيقها في الحياة الدنيا لأنها هي الحياة الوحيدة التي يمكن أن توجد، وبالتالي هي الحياة الوحيدة التي لها أهمية. وأما الخلود (خلود الروح ببعثه بعد الموت) فهو أكذوبة كهنوتية يتعين كشف النقاب عنها والقضاء عليها لتحقيق حياة أفضل في إطار من الحرية والسعادة للكافة في الحياة الدنيا! (المصدر:الموت في الفكر الغربي جاك شورون ص 157)


انتهيت إلى أن ظاهرة الموت -بكل تأكيد- قد أرّقت فكر ساراماجو كثيرًا، خاصة في أواخر أيامه. لهذا فقد كتب هذه الرواية من أجل بث بعض الشجاعة في نفسه عن طريق السخرية وعن طريق هزيمة الموت على الورق بشكل رمزي. أو عن طريق محاولته للتصالح مع الموت بإقناعه بروعة الحياة في روايته! اختبأ ساراماجو وراء افتراضه الخيالي؛ من حقيقة حتمية لم يفلح من الهروب منها عندما حان أجله. حقيقة اسمها الموت. 


اقتباسات


دون الموت لا يوجد مستقبل
   
الموت أفضل يا سيدي... الموت أفضل من هذا المصير.

   
الحذر لا يفيد إلى بتأخير ما لا يُمكن تجنّبه.
   
كلمات كثيرة من أجل شيء وحيد كئيب، إنها عادة هؤلاء البشر، فهُم لا يقولون أبدًا ما يريدون قولة دفعة واحدة.
   
كل ما يمكن أن يحدث سيحدث والمسألة مسألة وقت وحسب.
   
في أي لحظة تموت دودة القزّ؟ بعد أن تحبس نفسها في شرنقتها وتوصد الباب على نفسها؟ وكيف يمكن أن تولد حياة كائن من موت أخر؟ حياة الفراشة من موت الدودة، ويصير الشيء نفسه مُختلفًا، أم أن دودة القزّ لم تمت لأنها حية في الفراشة؟
   
وفي المرات القليلة التي وجدت نفسي فيها أمام أشخاص ماتوا، لم أتخيّل قد أن موتهم هو نفسه الذي سأموته.
   
لأن لكل واحد منكم موته الخاص، تحملونه في مكان خفي منذ ولادتكم، وهو ينتمي إليك، وأنت تنتمي إليه.
   
      
    


التقييم النهائي


في رأيي... لا أنصح بقراءة الرواية، ويمكن للقارئ أن يكتفي بملخصها، أما إن كان لابد من قراءتها فتكفي الخمسون صفحة الأولى منها للإطلاع على مغزى الرواية و إدراك فكرتها والاستمتاع بها.

  
تقييمي 2 من 5
    
 
أحمد فؤاد
19 نيسان أبريل 2020
الاسمبريد إلكترونيرسالة